النويري

404

نهاية الأرب في فنون الأدب

القتل والسّبى . فلما رجع الرّسل إليهم ، أرسل باليان بن بارزان يطلب الأمان لنفسه ليحضر إلى الملك النّاصر ، فأمّنه ، فحضر إليه وسأله الأمان ، فلم يجبه ، واستعطفه فلم يتعطَّف ، واسترحمه فلم يرحمه . فلمّا أيس منه قال له ما معناه : أيها السّلطان ، اعلم أنّنا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلَّا اللَّه تعالى ، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ، وهم يكرهون الموت ويرغبون في الحياة ؛ فإذا رأينا أنّ الموت لا بدّ منه واللَّه لنقتلنّ أبناءنا ونساءنا ، ونحرق أموالنا وأمتعتنا ، فلا نترككم تغنمون منها دينارا واحدا ولا درهما ، ولا تسبون ولا تأسرون رجلا ولا امرأة . [ 124 ] فإذا فرغنا من ذلك أخرجنا الصّخرة والمسجد الأقصى ؛ وغير ذلك من المواضع الشّريفة ؛ ثم نقتل من عندنا من أسرى المسلمين ، وهم خمسة آلاف ، ولا نترك لنا دابّة ولا حيوانا إلا قتلناه . ثمّ نخرج إليكم ، كلَّنا ، فنقاتلكم قتال من يريد يحمى دمه ونفسه ، فلا يقتل الرّجل منا حتى يقتل ؛ فإمّا أن نموت أعزاء أو نظفر كراما . فلمّا سمع الملك النّاصر كلامه استشار عند ذلك أصحابه ، فأشاروا عليه بموافقتهم . ووقع الصّلح على أن يسلَّموا أسرى المسلمين ، ويبذلوا عن كلّ رجل من الفرنج عشرة دنانير ، وعن كلّ امرأة خمسة ، وعن كلّ طفل وطفلة دينارين ، يستوى في ذلك الغنىّ والفقير . وبذل ابن بارزان في الفقراء ثلاثين ألف دينار من ماله ، وعلى أن تكون المدّة أربعين يوما ، فمن أدّى ذلك قبل المدّة خلص ومن تأخّر استرقّ . وتسلَّم السّلطان المدينة في يوم الجمعة السّابع والعشرين من شهر