النويري

280

نهاية الأرب في فنون الأدب

نولَّى منصبه لغيره ، فيكون المتولَّى بعده على وجل واحتراس . وإنّما الرأي أن ندبّر عليه . فدبّر عليه حتى قتل . هذا أحد الأقوال في قتله . قال : ولما وثب الباطنية عليه ضرب ثماني ضربات ، فمات لوقته ، وحمل على أيدي مقدّمى ركابه ، والقائد الميمون محمد وأخوته لا يمكَّنون أحدا من الدنوّ منه ، وهم [ 83 ] يبشرون النّاس بسلامته ، حتى وضعوه على سريره وغطَّى . ونفّذ المأمون أخاه حيدرة إلى الآمر يقول له : أدركني وتسلَّم ملكك لئلا أغلب عليه أنا وأنت ؛ وأوصاه أن يهنّئ من وجده بسلامة الأفضل . ففعل حيدرة ذلك ، وهنّأ حرم الأفضل وغيرهم . فعزم أولاده على إثارة فتنة وأنهم يطلبون الأمر لأخيهم تاج المعالي ؛ فأمر الآمر بحمل أولاد الأفضل إلى الإعتقال بخزانة البنود ، فحملوا إليها ، وبات الأمر بدار الملك . قال : وكان الأفضل حسن الاعتقاد في مذهب السنّة ، جميل السيّرة ، مؤثرا للعدل ، صائب الرأي والتّدبير ، حسن الهمّة ، كريم النّفس ، صادق الحديث . ونال النّاس بعد قتل الأفضل من الظَّلم والجور والعسف ما لا يعبّر عنه . فجاء النّاس إلى باب الآمر واستغاثوا ، ولعنوا الأفضل وسبّوه أقبح سبّ ؛ فخرج إليهم الخدم وقالوا : مولانا يسلَّم عليكم ويقول لكم : ما السّبب في سبّ الأفضل وقد كان قد أحسن إليكم وعدل فيكم ؟ فقالوا : إنّه عدل وتصدّق وحسنت آثاره ، ففارقنا بلادنا حبّا لأيّامه ، وأقمنا في بلده ، فحصل بعده هذا الجور ؛ فهو السّبب في خروجنا عن أوطاننا واستقرارنا ببلده .