النويري
225
نهاية الأرب في فنون الأدب
الحجّ ، على سبيل الاستهزاء والتهكَّم ، ومعه الخمر في الرّوايا بدلا عن الماء ، يسقيه للنّاس كما يسقى الماء في طريق مكَّة [ 67 ] ، شرّفها اللَّه تعالى . فلمّا كان في هذه السّنة خرج على عادته في جمادى الآخرة ؛ فاتّفق أن بعض الأتراك جرّد سيفا على سكر منه على بعض عبيد الشّراء ، فاجتمع عليه طائفة من العبيد وقتلوه ، فجاء الأتراك إلى المستنصر وقالوا : إن كان هذا عن رضاك فالسّمع والطاعة ، وإنّ كان عن غير رضاك فلا نصبر عليه . فأنكر المستنصر ذلك ؛ فاجتمع جماعة من الأتراك وقتلوا جماعة من العبيد بعد قتال شديد على كوم شريك « 1 » . وكانت والدة المستنصر تعين العبيد بالأموال والسّلاح ، فاطَّلع بعض الأتراك على ذلك ، فجمع طائفة كثيرة من الأتراك ودخل على المستنصر بهم ، وأغلظوا له في الكلام ؛ فحلف أنّه لم يكن عنده علم من ذلك . ودخل على والدته وأنكر عليها ؛ وصار السّيف بين الطَّائفتين . ثمّ سعى أبو الفرج بن المغربي ، الَّذى كان يلي الوزارة ، وجماعة معه ، في الصّلح بين الطَّائفتين ، فاصطلحوا ؛ ولم تصف طائفة منهم للأخرى . ثمّ اجتمع العبيد وخرجوا إلى شبرا دمنهور « 2 » في جمع كثير . وكان سبب كسرتهم أنّ والدة المستنصر لمّا قتل سيدها ووزيرها أبو سعيد التّسترى اليهودىّ غضبت لقتله ، وشرعت في شراء العبيد السّودان واستكثرت منهم ، وجعلتهم طائفة لها ؛ فاشتدّ أمرهم إلى أن صار العبد منهم يحكم
--> « 1 » كوم شريك : من القرى القديمة ، إحدى قرى مركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة ، وتنسب إلى الصحابي شريك بن سمى ، المواعظ والاعتبار ج 1 ص 183 ، القاموس الجغرافي ق 2 ج 2 ص 339 . « 2 » شبرا دمنهور : من القرى القديمة ، وهى الآن شبرا الخيمة ، بمحافظة القليوبية ، وتعتبر حاليّا ضمن القاهرة الكبرى - القاموس الجغرافي ق 2 ج 1 ص 12 وما بعدها .