النويري

200

نهاية الأرب في فنون الأدب

معهم أن ينزلوا إلى مصر على هيئة المناسر « 1 » ، فيكبسون الحمّامات ومنازل أهل مصر ؛ فكانوا يفعلون ذلك نهارا . وتكرّر ذلك منهم ، فاجتمع النّاس ووقفوا للحاكم وسألوه أن يكفّ عنهم أيديهم ، فما أجابهم بجواب فتزايد بهم الضّرر إلى أن بقيت الرّجّالة تكبس مساكنهم ويأخذون ما فيها ، ويعرّونهم في الطَّرقات ، ويفتحون دكاكين البزّازين وغيرهم ، وينهبون ما فيها ويحرقون أبوابها بعد ذلك ، والنّاس يستغيثون فلا يغاثون . ثم نزل بعد ذلك جمع كثير بعد أن غلَّقت الدّروب ، وكانت بقيت تغلق قبل الغروب ، وتخلَّلوا البلدان ، وفتحوا ما وراء الجامع من النّحاسين والأبزاريين « 2 » والسّكريّين ودار الشّمع ، وغير ذلك مما يقرب من هذه الأسواق ، وأخذوا ما أرادوا منها ، وأفسدوا بقيّة ما فيها ؛ فكانوا يخلطون العقاقير والأصناف بعضها ببعض ، والمياه المختلفة بالزّيت ؛ ويفسدون ما لا يمكنهم حمله . وطرحوا النّار في أبواب القياسر « 3 » المجاورة للجامع بعد ذلك ، فأخذ النّاس في الانتقال إلى القاهرة ، وضجّوا بالابتهال إلى اللَّه تعالى في كشف ما بهم من « 4 » البلاء . قال : وكان الحاكم قبل ذلك قد ضيّق على النّصارى واليهود كما [ 60 ] قدمناه ، وأمرهم بالتّظاهر بالإسلام ؛ فأسلم بعضهم وهرب بعضهم إلى بلاد الروم ؛ وهدم جميع الكنائس . فلمّا كان في شهر جمادى الآخرة ، سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، أذن لهم بالرّجوع إلى دينهم ، فارتدّوا ، وأذن لهم

--> « 1 » المنسر - المناسر : الجماعة من الخيل ، أو قطعة من الجيش بين المائة والمائتين ، لا تمر بشئ إلا اقتلعته - القاموس . « 2 » « البزازين » في أخبار الدول المنقطعة ص 56 . « 3 » « القياسير » في الأصل . « 4 » انظر أخبار الدول المنقطعة ص 55 - 56 .