النويري

107

نهاية الأرب في فنون الأدب

أخيه وأبو عبد اللَّه ينكر ذلك على أخيه ، وأبو العبّاس لا يرعوى ، ويؤكَّد أسباب النّفاق . ثم قال أبو العبّاس لأخيه : لقد ملكت أمرا عظيما وانطاع لك النّاس ، فجئت بمن أزالك عنه وأخرجك منه ، وكان الواجب عليه ألَّا يهتضمك هذا الاهتضام . ولم يزل يغريه بمثل دلك إلى أن أثّر ذلك فيه ، وحمله على مشافهة عبيد اللَّه المهدىّ ببغضه ، وأشار عليه بتفويض الأمور إليه والانقطاع في قصره والاحتجاب عن الناس ، وقال هذا أهيب لك وأشدّ لامرك . فردّ عليه في ذلك ردّا لطيفا . وكان قد بلغ المهدىّ ما هو عليه ، فحقّقه ولم يره أنّه اطَّلع على شئ من ذلك . وعمد أبو العبّاس إلى الدّعاة ، وكانوا يعظَّمونه لما يرون من تعظيم أخيه أبى عبيد اللَّه له ، فجعل يرمز لهم ، ثمّ صرّح ، وطعن في عبيد اللَّه ، وأدخل فيه الشّبهة . وكلّ ذلك يبلغ عبيد اللَّه فيعرض عنه ويغضى عليه ، هذا والشيعىّ في ذلك مدار لم يبلغ حد النّفاق إلى أن فشا أنّ حال أبى العبّاس قد أنهيت إلى عبيد اللَّه . وما زال أبو العبّاس يتخيّل إلى أن قال للدّعاة إنّ الإمام هو الَّذى يأتي بالآيات والمعجزات ويختم بخاتمه في البلاط ، فأمّا هذا فقد شككنا فيه . فعند ذلك أرسل هارون بن يونس « 1 » أحد المشايخ إلى عبيد اللَّه يقول : قد شككنا في أمرك فأتنا بآية إن كنت المهدىّ كما قلت . فتعاظم ذلك وقال : ويحكم إنكم كنتم قد أيقنتم والشكّ لا يزيل اليقين ، فأبيتم إلَّا الإصرار ! ثمّ أمر من قتله . فلمّا علم أبو العبّاس والقوم الذين استزلَّهم « 2 » بقتله جعلوا ذلك سببا لمباينة عبيد اللَّه وأجمعوا على النّقض والإبرام في دار أبى زاكى ابن معارك ، وعزموا على الفتك بعبيد اللَّه . واجتمع كتامة إلَّا قليلا منهم ؛

--> « 1 » « بن يوسف » في الأصل ، والتصحيح من افتتاح الدعوة ص 111 وص 310 . « 2 » استزلهم : أي جعلهم يزلون ، أي الذين أغواهم .