النويري
108
نهاية الأرب في فنون الأدب
وكان عزوية « 1 » بن يوسف يأتي بأخبارهم لعبيد اللَّه ، فجمع عبيد اللَّه إليه من سلم من النّفاق والعبيد واستعدّ لهم ، على كثرتهم وقلَّة المبايعين له . فجمعوا له الجموع وأحاطوا بقصره ليوقعوا به ، وهو في ذلك جالس منتصب غير مكترث ؛ فقذف اللَّه في قلوبهم الرّعب على كثرتهم وقلَّة من معه ، حتّى كانوا يعبرون وقد عزموا على الفتك به ، فإذا قابلوه ملأت الهيبة قلوبهم فإذا انصرفوا ندموا على تركه * ( لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ) * « 2 » . فنظر عبيد اللَّه في بعض الأيّام إلى أبى عبيد اللَّه الشيعىّ وقد لبس توبه مقلوبا ، ودخل عليه ثلاثة أيّام وهو على تلك الحال ، فقال له في اليوم الثّالث : يا أبا عبد اللَّه ؛ ما هذا الأمر الَّذى شغلك وأذهلك عن أمر نفسك ؟ فقال : وما هو يا مولاي ؟ قال : إنّ ثوبك مقلوب عليك منذ ثلاثة أيّام ما اهتديت له ، وما أحسبك نزعته . فنظر إليه وقال : واللَّه يا مولاي ما علمت به . فقال : إنّ هذا لشغل عظيم ؛ فأين تبيت منذ كذا من اللَّيالى ؟ فسكت . فقال : ألست تبيت في دار أبى زاكى قال له : بلى . قال : وما أخرجك من دارك التي أنزلتك بها ؟ قال : يا مولاي خفت . قال : وما يخاف المرء إلَّا من عدوّه ، والمؤمن لا يخاف وليّه « 3 » . فسكت أبو عبد اللَّه وأيقن أنّ عورته قد بدت لعبيد اللَّه ، ووجبت حجّته عليه ، وحلّ له قتله . فانصرف وأعلم القوم بما جرى بينهما ، فأمسكوا عن الدّخول إلى عبيد اللَّه وخافوا على أنفسهم منه . ثمّ جاؤه بعد ذلك وأظهروا البراءة مما قيل فيهم ،
--> « 1 » « عروبة » في الأصل ، والكامل ج 8 ص 52 ، وأخبار الدول المنقطعة ص 9 ، والتصحيح هنا والمواضع التالية من افتتاح الدعوة ص 312 . « 2 » سورة الأنفال آية 44 . « 3 » « عدوه » في الأصل ، والتصحيح من افتتاح الدعوة ص 314 .