النويري
101
نهاية الأرب في فنون الأدب
فلما انتهى عبيد اللَّه إلى مصر أراد أن يقصد اليمن ، وكان بها أبو القاسم الحسن بن حوشب الكوفي الدّاعى كما ذكرنا ، وقد استقام له الأمر وملك أكثر البلاد ، ثم بعث بعده علىّ بن الفضل فاستحلّ المحارم ودعا النّاس إلى الإباحات ، فلما اتّصل ذلك به كره دخول اليمن على هذه الحال ، وبلغه ما فعل الشيعىّ بالمغرب ، وما فتح على يديه فأقام بمصر مستترا في زىّ التّجار ، وعامل مصر يومئذ عيسى النوشرى بعد انقراض الدّولة الطَّولونيّة ؛ فأتته الكتب بصفته ، وأمر بالقبض عليه . وكان بعض خاصّة النّوشرى يتشيع ، قيل إنّه ابن المدبّر ، فبادر إلى عبيد اللَّه وأخبره ، وأشار عليه بالمسير ؛ فخرج من مصر بمن صحبه . ففرّق النّوشرى الرّسل وذكر لهم صفته ، ثم خرج بنفسه فأدركه وقد رحل من تروجة ، وهى على مرحلة من الإسكندرية ، فمشى النّوشرىّ في القافلة التي عبيد اللَّه فيها ، وجعل ينظر إلى وجوه القوم ، حتّى رأى عبيد اللَّه على هيئته التي وصفت له ، فقبض عليه وعلى من كان معه ، وأطلق الرّفقة وعاد به إلى ببستان فنزل به ، وأنزل عبيد اللَّه ومن معه بمفردهم ووكل بهم . ثم خلا به وقال له أصدقنى عن أمرك فأنى ألطف في خلاصك ، فقد جاءت صفتك من قبل أمير المؤمنين وأمر بطلبك ، وذكر أنّك تروم الخلافة . فقال عبيد اللَّه « 1 » إنما أنا رجل تاجر ، ولست أعلم شيئا ممّا نقول ، وأنت غنىّ عن تقلَّد إثمي . فما زال يلاطفه يومه وليلته حتّى أطلقه وقال : امض إلى سبيلك وأنا أبعث معك خيلا تشيّعك . فشكره وقال : أنا أستغنى بنفسي وبمن معي ، وانصرف . فرجع أصحاب النّوشرى عليه بالملامة ، وقالوا له : ماذا صنعته
--> « 1 » « أبو عبد الله » في الأصل ، والتصحيح من السياق .