النويري
314
نهاية الأرب في فنون الأدب
فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة ركب السلطان ، وقال لأصحابه : من أراد الانصراف ، فالينصرف ، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى ، وبكى ، وأبكى ، ورمى القوس والنشاب ، وأخذ السيف والدبوس ، وعقد ذنب فرسه بيده ، وفعل عسكره مثله ، ولبس البياض ، وتحنط ، وقال : إن قتلت ، فهذا كفنى ، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وستين ، وزحف إلى الروم ، وزحفوا له ، فلما قاربهم ترجّل ، وعقر وجهه في التراب ، وبكى ، وأكثر من الدعاء ، ثم ركب وحمل ، فأعطى اللَّه النصر للمسلمين ، فقتلوا من العدو ما لا يحصى كثرة ، وأسر ملك الروم ، أسره بعض غلمان كوهراتين ، ولم يعرفه ، وأراد قتله ، فقال له خدم معه : هذا الملك لا تقتله ، وكان هذا الغلام قد عرض على عضد الدولة ، فلم يجز عرضه استحقارا له ، فشكره كوهراتين ، فقال نظام الملك : عسى أن يأتينا بملك الروم أسيرا ، فكان كذلك ، فلما أسره الغلام أحضره إلى مولاه كوهراتين ، فأحضره إلى السلطان ، فضربه السلطان ثلاث ضربات بالمقرعة ، وقال : ألم أرسل إليك في الهدنة ، فأبيت ، فقال : دعني من التوبيخ ، وافعل ما تريد ، فقال السلطان : ما عزمت أن نغفل بي إن أسرتنى ؟ فقال : كنت أفعل كل قبيح ، قال : فما تظن أنى أفعل معك ؟ فقال : إما أن تقتلني ، وإما أن تشهرني في البلاد ، والأخرى بعيدة ، وهى العفو ، وقبول الأموال ، واصطناعى باتباعك ، وقال : ما عزمت على غير هذا ، ففدى نفسه بألف ألف وخمسمائة ألف دينار ، وقطيعة في كل سنة ثلاثمائة ألف وستين ألف