النويري
148
نهاية الأرب في فنون الأدب
فدمعت عيناه وأمر بحط حمل مال عن بغل وحملها عليه « 1 » . وكانت الهزيمة بلغته بعد صلاة العصر ، فما أذّن مؤذن العشاء الآخرة إلا وقد رحل من رقادة « 2 » . واتبعه الناس قوما بعد قوم يهتدون بالمشاعل . وأخذ طريق مصر . وخرج عبد اللَّه بن الصائغ بعده بثقله وحشمه وأمواله . فقصد جهة لمطة ، وقد كان أعد هناك مركبا لنفسه ، ليركب فيه إلى صقلية ويفارق زيادة اللَّه خوفا على نفسه من رجاله أن يحملوه على قتله ، لأنه كان معاديا لأكثرهم ورموه بمكاتبة الشيعي ؛ ولم يكن كذلك . قال : ولما علم الناس بهروب زيادة اللَّه ، أسرعوا إلى رقادة ، وانتهبوا ما فيها ، واحتووا على قصور زيادة اللَّه ، حتى صاروا إلى البحث عن المطامير وانتزاع حديد الأبواب وحمل الأسرّة ونقل الماعون . وأقاموا على ذلك ستة أيام ، حتى تراءت خيل الشيعي . وتخلف عن زيادة اللَّه كثير من رجاله وعبيده وأصحاب الدواوين ، فافترقوا في البلدان . وأما إبراهيم بن أبي الأغلب ، فإنه وافى القيروان في جماعة من انضم إليه . فلما علموا بهروب زيادة اللَّه ، تفرقوا عنه وقصد كل قوم إلى ناحيتهم . وقصد إبراهيم دار الامارة فنزل بها . ونادى مناديه بالأمان ، وسكَّن الناس . وأرسل إلى الفقهاء ووجوه أهل القيروان ، فاجتمع على بابه خلق كثير وسلموا عليه بالإمارة . فذكر لهم أحوال
--> « 1 » ابن عذارى 1 : 201 : وشغله سوء الموقف وضيق الحال عن حملها معه . « 2 » يفهم من ابن عذارى 1 : 200 أنه سافر ثاني يوم سماعه بالهزيمة .