النويري

41

نهاية الأرب في فنون الأدب

وبرّ ومواساة في دينهم ، وإخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم ، فتح اللَّه ذلك منّة ومنحة « 1 » لمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فلما قبضه اللَّه إليه قام بالأمر من بعده أصحابه شورى بينهم ، فحووا مواريث الأمم فعدّلوا فيها ، ووضعوها مواضعها ، وأعطوها أهلها ، وخرجوا خماصا منها ، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها ، فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها ، فأملى اللَّه لهم حينا حتى آسفوه ، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ، وردّ علينا حقنا ، وتدارك بنا أمتنا ، وولى نصرنا والقيام بأمرنا ، ليمنّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض ، وختم بنا كما افتتح بنا ، وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير ، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح ، وما توفيقنا أهل البيت إلا باللَّه . يا أهل الكوفة ، أنتم أهل محبّتنا ، ومنزل « 2 » مودتنا ، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم ، حتى أدرككم « 3 » زماننا ، وأتاكم اللَّه بدولتنا ، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا ، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم ، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح « 4 » ، والثائر المنيح « 5 » . وكان موعكا فاشتد عليه الوعك ، فجلس على المنبر وقام عمه داود على مراقي المنبر ، فقال : الحمد للَّه شكرا الذي أهلك عدوّنا ، وأصار إلينا ميراثنا من نبيّنا محمد صلى اللَّه عليه وسلَّم . أيها الناس : الآن قد قشعت حنادس الدنيا ، وانكشف غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها ، وطلعت الشمس من

--> « 1 » في الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325 : بهجة ، ويؤيد الطبري ج 6 ص 82 المخطوطات . « 2 » تقرأ في المخطوطات : منزلة ، والتصويب عن الطبري ج 6 ص 83 . والكامل لابن الأثير ج 4 ص 325 . « 3 » في الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325 : أدركتم . « 4 » المبيح : اسم لأحد قداح الميسر يرجى منه حظ عظيم . « 5 » في ف : المبير ، وفى ص : المثير ، وفى ك : المبين ، والتصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325 والطبري ج 6 ص 83 .