النويري
237
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر وفاة أبى العباس المأمون كانت وفاته بالبذندون « 1 » من أرض الروم لثمان خلون من شهر رجب ، وقيل لاثنتي عشرة بقيت منه ، سنة ثماني عشرة ومائتين ، وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة منها ؛ وكان سبب مرضه ما ذكره سعيد بن « 2 » العلَّاف القارئ ، قال : دعاني المأمون يوما فوجدته جالسا على شاطئ البذندون ، والمعتصم عن يمينه ، وقد دلَّيا أرجلهما في الماء ، فأمرني أن أضع رجلىّ في الماء ، وقال : ذقه - هل رأيت أعذب منه ! أو أصفى أو أشد بردا ؟ ففعلت وقلت ما رأيت قط مثله ، فقال : أي شئ أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء ؟ فقلت : أمير المؤمنين أعلم ، فقال : الرطب الآزاذ ، فبينما هو يقول ذلك إذ سمع وقع لجم البريد ، فالتفت فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف ، فقال لخادم : انظر إن كان في هذه الألطاف رطب آزاذ فأت به ؟ فمضى وعاد ومعه سلَّتان فيهما منه ، كأنما جنى تلك الساعة ، فأظهر شكر اللَّه تعالى وتعجبنا جميعا ، وأكلنا وشربنا من ذلك الماء ، فما قام منّا أحد إلا وهو محموم ، ودامت العلة بالمأمون حتى مات ، ولمّا اشتدت عليه قال لأبى إسحاق : يا أبا إسحاق أدن منّى واتعظ بما ترى ، وخذ بسيرة أخيك في القرآن ، واعمل في الخلافة - إذا طوّقكها اللَّه - عمل المريد للَّه ، الخائف من عذابه وعقابه ، ولا تغتر باللَّه ومهلته ، ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية - العوامّ العوامّ فإنّ الملك بهم وبتعهدك لهم ، اللَّه اللَّه فيهم وفى غيرهم من المسلمين ، ولا ينتهينّ إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدّمته وآثرته على غيره من هواك ، وخد من أقويائهم لضعفائهم ، ولا تحمل عليهم في شئ ، وانصف بعضهم من بعض بالحق
--> « 1 » في الكامل ج 5 ص 226 : البذندون وفى المخطوطات والطبري ج 7 ص 207 ة بالدال والأصح بالذال وهى بدندس Pondandos راجع تحقيق لوستيربنج بلاد الخلافة الشرقية ص 133 ط كمبردج « 2 » تتفق المخطوطات مع الطبري ج 7 ص 207 ، وفى الكامل ج 5 ص 226 : سعد وهو تحريف