النويري
238
نهاية الأرب في فنون الأدب
بينهم ، وعجّل الرحلة عنّى إلى دار ملكك بالعراق « 1 » ، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت ، والخرّمية فاغزهم ذا حزامة وصرامة « 2 » وجلد ، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود ، فإن طالت مدّتهم فتجرّد لهم فيمن معك من أنصارك وأوليائك ، واعمل في ذلك عملا مقدم النية فيه راجيا ثواب اللَّه عليه ، ثم دعاه بعد ساعة حين اشتد وجعه وأحسّ بمجىء أمر اللَّه ، فقال : يا أبا إسحاق عليك عهد اللَّه وميثاقه وذمة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لتقومنّ بحق اللَّه في عباده ، ولتوثرنّ طاعة اللَّه على معصيته ، إذا أنا نقلتها من غيرك إليك ، قال : اللهم نعم ، قال : هؤلاء بنو عمّك ولد أمير المؤمنين علىّ رضى اللَّه عنه فأحسن صحبتهم وتجاوز عن مسيئهم ، واقبل من محسنهم ، ولا تغفل ضلاتهم في كل سنة عند محلَّها ، فإنّ حقوقهم تجب من وجوه شتى ، اتقوا اللَّه ربكم حق تقاته ، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ، واتقوا اللَّه واعملوا له ، اتقوا اللَّه في أموركم كلها ، أستودعكم اللَّه ونفسي وأستغفر اللَّه بما سلف منّى إنّه كان غفّارا ، فإنّه ليعلم كيف ندمى على ذنوبي فعليه توكَّلت من عظيمها وإليه أنيب ، ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ، حسبي اللَّه ونعم الوكيل ، وصلَّى اللَّه على محمد نبي الهدى والرحمة . قال : ولما اشتد مرضه وحضره الموت كان عنده ابن ماسويه ، فجاء من يلقنه فعرض عليه الشهادة ، فقال الطبيب : دعه فإنه لا يفرّق في هذه الحال بين ربه ومانى ، ففتح المأمون عينيه وأراد أن يبطش به فعجز ، وأراد الكلام فعجز عنه ، ثم قال : يا من لا يموت ارحم من يموت ، ومات من ساعته . ولما توفى حمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس ، فدفناه بها بدار خاقان خادم الرشيد ، وصلَّى عليه المعتصم ووكلوا به حرسا من أبناء
--> « 1 » ساقطة من ف ، ك « 2 » تتفق المخطوطات والطبري ج 7 ص 209 وفى الكامل ج 5 ص 227 : فاغزهم ذاخرمة وصرامة وهو تحريف .