النويري
218
نهاية الأرب في فنون الأدب
كل ذي ذنب ، كما أن عفوك فوق كل ذي « 1 » عفو . ومن رواية أخرى أنّه قال : وقد أصبحت فوق كل ذي ذنب ؛ كما أصبح كل ذي عفو دونك ، فإن عاقبت « 2 » فبحقك وإن تعف فبفضلك ، قال : فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : إن هذين أشارا علىّ بقتلك ، فالتفت فإذا العباس بن المأمون والمعتصم ، فقال : يا أمير المؤمنين أما حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به ، وما غشّاك إذ كان منّى ما كان ، ولكنّ اللَّه عوّدك من العفو عادة جريت عليها ، دافعا ما تخاف بما ترجو ، فكفاك اللَّه يا أمير المؤمنين ، فتبسّم المأمون ثم أقبل على ثمامة فقال : إن من الكلام ما يفوق الدر ويغلب السحر ، وإنّ كلام عمى منه ، أطلقوا « 3 » حديده وردّوه إلىّ مكرّما ، فلما ردّ إليه قال : يا عم ، صر إلى المنادمة وارجع إلى الأنس ، فلن ترى منى أبدا إلا ما تحب ، فلما كان من الغد بعث إليه بدرج فيه هذه القصيدة التي تقدّم ذكرها ، لكن اختصرها أبو الفرج فذكر بعضها ، فلما قرأها المأمون بكى وقال علىّ به « 4 » فخلع عليه « 5 » ، وأمر له بخمسة آلاف دينار ، ودعا بالفرّاش فقال له : إذا رأيت عمى مقبلا فاطرح له متكأ ، وكان ينادمه لا ينكر منه شيئا . قال أبو الفرج : وروى بعض هذا الخبر عن محمد بن الفضل الهاشمي ، فقال فيه : لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد الأحول ، وقال : هذا صديقك فخذه إليك ، قال : وما تغنى صداقتى عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه ، أما إني - وإن كنت صديقا له - لا أمتنع عن قول الحق فيه ، قال له : قل فإنك غير متّهم ، فقال - وهو يريد التسلَّق على العفو عنه : إن قتلته فقد قتلت الملوك قبلك أقل جرما منه وإن عفوت عنه عقوت عمن لم يعف قبلك عن مثله ،
--> « 1 » غير موجودة بالأغانى ج 10 ص 116 ( دار الكتب ) « 2 » تعاقب : في المصدر السابق . « 3 » في المصدر السابق : أطلقوا عن عمى « 4 » يزيد المصدر السابق ص 118 : فأتى به . « 5 » يزيد المصدر السابق : وحمله