النويري

215

نهاية الأرب في فنون الأدب

من أصحابهما صبرا ، وصلب ابن عائشة - وهو أول عباسى صلب في الإسلام ، ثم أنزل وكفّن وصلَّى عليه ودفن بمقابر قريش . ذكر ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدى في هذه السنة في شهر ربيع الآخر أخذ إبراهيم بن المهدى ، وهو متنقّب في زي امرأة بين امرأتين ، أخذه حارس أسود ليلا وقال له ولهنّ : أين تردن في هذا الوقت ؟ ! فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده ، فاستراب منه الحارس ورفعهن إلى صاحب المسلحة « 1 » ، فأمرهنّ أن يسفرن عن وجوههنّ ، فامتنع إبراهيم فجذبه فبدت لحيته ، فدفعه إلى صاحب الجسر فعرفه ، فذهب به إلى باب المأمون وأعلمه به ، فأمره بالاحتفاظ به إلى باكر النهار ، فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار المأمون . والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم والناس ، ويعلموا كيف أخذ ، ثم حوّله إلى أحمد بن أبي خالد فحبسه عنده ، ثم شفع فيه الحسن بن سهل - وقيل ابنته بوران لما بنى بها المأمون . وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم ، وكان المعتصم عند المأمون فحمل رديفا لفرج « 2 » التركي ، فلما دخل على المأمون قال له : هيه يا إبراهيم ، فقال : يا أمير المؤمنين ولىّ الثأر محكَّم في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، ومن تناوله الاغترار - بما مدّ له من أسباب الشقاء - أمكن عادية الدهر من نفسه ، وقد جعلك اللَّه فوق كل ذي ذنب ، كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك ، فقال : بل أعفو يا إبراهيم ، فكبّر وسجد . وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهو مختف ، فوقّع المأمون في رقعته : القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وبينهما عفو اللَّه عزّ وجلّ ، وهو أكبر ما نسأله « 3 » ، فامتدحه إبراهيم بن المهدى بقصيدته التي هي :

--> « 1 » في المخطوطات : المصلحة والتصويب عن الكامل ج 5 ص 209 « 2 » بالحاء في المخطوطات والكامل ج 5 ص 209 والتصويب عن الطبري ج 7 ص 176 « 3 » في الكامل ج 5 ص 209 : يسأله وهو تحريف .