النويري

199

نهاية الأرب في فنون الأدب

كان بلغني أن المأمون مات ، وكانت له في عنقي بيعة ، وكانت فتنة عمت الأرض ، فبايعني الناس ، ثم إنه صحّ عندي أن المأمون حىّ صحيح وانا أستغفر اللَّه من البيعة وقد خلعت نفسي من بيعتي التي بايعتموني عليها - كما خلعت خاتمي هذا من أصبعي ، فلا بيعة لي في رقابكم . ثم سار في سنة إحدى ومائتين إلى العراق ، فسيّره الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو ، فلما سار المأمون إلى العراق صحبه فمات بجرجان . ذكر مسير هرثمة إلى المأمون وقتله قال : فلما فرغ هرثمة من أمر أبى السرايا رجع ولم يأت الحسن بن سهل ، وسار إلى خراسان فأتته كتب المأمون في غير موضع ، أن يأتي إلى الشام والحجاز ، فقال : لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين ، إدلالا منه عليه ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه وأراد أن يعرّف المأمون ما يدبّر عليه الفضل بن سهل ، وما يكتم عنه من الأخبار ، وأنه لا يدع المأمون حتى ينتقل إلى بغداد ليتوسط سلطانه ، فعلم الفضل بذلك فعاجله بالتدبير عليه ، وقال للمأمون : إن هرثمة قد أنغل « 1 » عليك البلاد والعباد ، ودسّ أبا السرايا - وهو من جنده - ولو أراد لم يفعل ذلك ، وقد كتب إليه عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز فلم يفعل ، وقد جاء مشاقا وإن أطلق كان هذا مفسدة لغيره ، فتغير غلب المأمون وأبطأ هرثمة إلى ذي القعدة ، فلما بلغ مروخشى أن يكتم قدومه عن المأمون ، فأمر بالطبول فضربت لكي يسمعها المأمون فسمعها ، فقال : ما هذا ! ! ! قال : هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق ، فأمر المأمون بإدخاله ، فلما دخل قال له المأمون : مالأت أهل الكوفة والعلويين ، ووضعت أبا السرايا ولو شئت أن تأخذهم جميعا لفعلت ، فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر ،

--> « 1 » في الكامل ج 5 ص 179 : اثقل وهو تحريف ، وأنغل : افسد