النويري
153
نهاية الأرب في فنون الأدب
العرب ، أما بعد ، فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك ، ووضعت نفسها موضع السوقة ، وإني واضعك بغير ذلك الموضع ، وعامل على تطرّق بلادك والهجوم على أمصارك ، أو تؤدّى إلىّ ما كانت المرأة تؤديه إليك والسلام . فلما ورد الكتاب على الرشيد كتب إليه : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللَّه هارون - أمير المؤمنين - إلى نقفور - كلب الروم - أما بعد فقد فهمت كتابك ، وجوابك عندي ما تراه عيانا لا ما تسمعه . ثم شخص من شهره ذلك يؤم بلاد الروم ، في جمع لم يسمع بمثله ، فلما بلغ نقفور ذلك ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، وشاور في أمره ، وجدّ الرشيد فجعل يوغل في بلاد الروم ، فيقتل ويسبى ويغنم ويعفى الآثار ويخرّب الحصون ، حتى صار إلى طرق متضايقة دون قسطنطينيّة ، فلما بلغها وجدها وقد أمر نقفور بالشجر فقطع ورمى به في تلك الطرق وأشعلت فيه النيران ، فكان الرشيد أول من لبس ثياب النفاطين فخاضها ، ثم اتبعه الناس فبعث إليه نقفور بالهدايا ، وخضع له أشد الخضوع وأدّى له الجزية ، عن رأسه فضلا عن أصحابه ، فرجع هارون - لما أطاعه ما أعطاه - إلى الرقة . فلما رجع وأمن نقفور أن يغزى اغتر بالمهلة ، ونقض ما كان بينه وبين الرشيد ورجع إلى حالته الأولى ، فلم يجترئ يحيى بن خالد « 1 » فضلا عن غيره على إخبار الرشيد بغدر نقفور ، وبذل هو وبنوه أموالا للشعراء على أن يقولوا أشعارا في إعلام الرشيد بذلك ، فكلهم أشفق إلا شاعر من أهل جدّة يكنى أبا محمد ، وكان مجيدا قوىّ الشعر ، فإنه أخذ من يحيى وبنيه مائة ألف درهم ، ودخل إلى الرشيد فأنشده :
--> « 1 » هذا الحدث التاريخي كان بعد وقعة البرامكة فلم يحضره يحيى وبنوه وينتبه ناسخ ص لذلك فيضيف عبارة تشير إلى ذلك في آخر القصة .