النويري

39

نهاية الأرب في فنون الأدب

أنصرهم نصرا مؤزّرا ، وإن لم أسرّب الخيل في إثر الخيل ، كالسّيل يتلوه السّيل ، حتى يحلّ بابن الكاهليّة الويل ، يريد عبد اللَّه بن الزّبير . فبكى الناس وقالوا : سرّحنا إليه وعجّل ، فوجه أبا عبد اللَّه الجدلىّ في سبعين من أهل القوة ، ووجّه ظبيان بن عمارة أخا بنى تميم في أربعمائة ، وبعث معه أربعمائة ألف درهم لابن الحنفيّة ، ووجّه أبا المعتمر في مائة ، وهانىء بن قيس في مائة ، وعمير بن طارق في أربعين ، ويونس بن عمران في أربعين ، فوصل أبو عبد اللَّه الجدلي إلى ذات « 1 » عرق ، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس في ثمانين ، فبلغوا مائة وخمسين راكبا ، فساروا حتّى دخلوا المسجد الحرام وهم ينادون : يا لثارات الحسين ، حتى انتهوا إلى زمزم ، وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرّقهم ، وكان قد بقي من الأجل يومان ، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية ، فقالوا : خلّ بيننا وبين عدو اللَّه ابن الزبير ، فقال : إني لا أستحلّ القتال في الحرم . فقال ابن الزبير : وا عجبا لهذه الخشبيّة ينعون حسينا كأنّى أنا قتلته ، واللَّه لو قدرت على قتلته لقتلتهم ، وإنما سمّاهم ابن الزبير الخشبيّة لأنّهم دخلوا مكَّة وبأيديهم الخشب كراهة إشهار « 2 » السيوف في الحرم ، وقال : أتحسبون أنّى أخلَّى سبيلهم « 3 » ، دون أن نبايع ويبايعوا « 4 » . فقال الجدلي : وربّ الرّكن والمقام لتخلَّينّ سبيلنا أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون ، فكفّهم ابن الحنفية وحذّرهم الفتنة .

--> « 1 » ذات عرق : مهل أهل العراق ، وهو الحد بين تهامة ونجد ( المراصد ) . « 2 » في ك : اشتهار . « 3 » في الطبري : سبيله . « 4 » في ك : ويتبايعون .