النويري

418

نهاية الأرب في فنون الأدب

كتبكم ، وقدمت علىّ به رسلكم ، انصرفت عنكم » ، فقال له الحر : إنّا واللَّه ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر . فأمر الحسين رضى اللَّه عنه بإخراج كتبهم ، فأخرجت في خرجين مملوءين ، فنثرهما بين أيديهم ، فقال الحر : إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد اللَّه بن زياد . فقال له الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك ، ثم قال لقومه : قوموا فاركبوا ، وركب نساؤهم . فلما أرادوا الانصراف حال القوم بينهم وبين المسير ، فقال الحسين للحر : ثكلتك أمّك ! ما تريد ؟ قال له : « أما واللَّه لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال التي عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان ، ولكن واللَّه ما إلى ذكر أمّك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه » ، فقال له الحسين : ما تريد ؟ قال : أريد أن أنطلق بك إلى عبيد اللَّه بن زياد . فقال له الحسين : إذا واللَّه لا أتبعك فقال الحر : إذا واللَّه لا أدعك . فترادّا القول ثلاث مرات ، فلما كثر الكلام بينهما قال الحر : « إني لم أومر بقتالك ، إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا ، حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه ، أو إلى عبيد اللَّه إن شئت ، فلعل اللَّه أن يرزقني العافية من أن أبتلى بشئ من أمرك ! » قال : فتياسرعن [ 1 ] طريق العذيب والقادسية ، وبينه حينئذ وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا . ثم سار والحرّ يسايره .

--> [ 1 ] عبارة الطبري : « قال : فخذ من ههنا فتياسر . . . » .