النويري
416
نهاية الأرب في فنون الأدب
لا أرى لك أن تفعل ! » فقال الحسين : يا عبد اللَّه ، إنه ليس يخفى علىّ ما رأيت ، ولكن اللَّه لا يغلب على أمره ! . ثم ارتحل منها وقد استهلَّت إحدى وستين ، وسار حتّى نزل شراف [ 1 ] فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ، ثم ساروا منها صدر يومهم حتّى انتصف النهار ، فكبّر رجل من أصحابه فكبر الحسين ، وقال : ممّ كبّرت ؟ قال : رأيت النخل ، فقال عبد اللَّه بن سليم والمذرى ابن المشمعل الأسديان : واللَّه إن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط ، قال : فما تريان . قالا : نراه واللَّه [ رأى ] [ 2 ] هوادى [ 3 ] الخيل . فقال الحسين : وأنا واللَّه أرى ذلك ، ما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقيل له : « بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك ، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد ، فمال إليه ، فما كان بأسرع من أن طلعت هوداى الخيل ، فلما رأوهم قد عدلوا عن الطريق عدلوا عنها إلى قصدهم ، فسبق الحسين إلى ذي حسم ، فنزل وأمر بأبنية [ 4 ] فضربت ، وجاء القوم وهم ألف فارس عليهم الحرّ بن يزيد التميمي ، فجاؤوا حتى وقفوا مقابل الحسين رضى اللَّه عنه : وكان مسير الحر ومن معه من القادسية من قبل الحصين بن نمير [ 5 ] التميمي .
--> [ 1 ] شراف : موضع بعد العقبة وواقصة وقبل القرعاء في الطريق من مكة إلى الكوفة . [ 2 ] الزيادة من تاريخ الطبري ج 4 ص 302 . [ 3 ] هوادى الخيل : أوائلها ، والهادي والهداية : العنق ، لأنها تتقدم على البدن ولأنها تهدى البدن . [ 4 ] أبنية : جمع بناء ، وهو ما يسكنه الناس ، فيطلق على ما يضربه العرب في الصحراء من خيمة وغيرها . [ 5 ] كذا جاء في تاريخ الطبري والكامل ج 3 ص 279 : « نمير » وجاء في المخطوطة : « تميم » وانظر ما سبق .