النويري

406

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال [ 1 ] : ولما عزم الحسين رضى اللَّه عنه على المسير إلى الكوفة أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له : « إني أتيتك لحاجة أريد ذكرها نصيحة لك ، فإن كنت ترى أنك تستنصحنى قلتها وأدّيت ما على من الحق فيها ، وإن ظننت أنك لا تستنصحنى كففت عمّا أريد ! » فقال له : قل فو اللَّه ما أستغشك ولا أظنك بشئ من [ 2 ] الهوى . قال : « قد بلغني أنك تريد العراق ، وإني مشفق عليك أنك تأتى بلدا فيه عمّاله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال ، والناس عبيد الدينار والدرهم ، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممّن يقاتلك معه ! » فقال له الحسين رضى اللَّه عنه : جزاك اللَّه خيرا يا ابن عمّ ، فقد علمت أنك مشيت بنصح ، وتكلمت بعقل ، ومهما يقض من أمر يكن ، أخذت برأيك أو تركته ، فأنت عندي أحمد مشير ، وأنصح ناصح . وأتاه عبد اللَّه بن عباس فقال له : قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق ، فبيّن لي ما أنت صانع فقال له : قد أجمعت السير في أحد يومىّ هذين إن شاء اللَّه تعالى . فقال له ابن عباس : « فإني أعيذك باللَّه من ذلك ؛ خبّرنى رحمك اللَّه ، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم ، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوّهم ؟ فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم ، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم ، قاهر لهم ، وعمّاله تجبى بلادهم ، فإنما دعوك إلى الحرب ، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك ، فيكونوا

--> [ 1 ] ابن الأثير في الكامل ج 3 ص 275 . [ 2 ] في تاريخ الطبري ج 4 ص 287 : « ما أظنك بسيىء الرأي ولا هوى القبيح من الفعل » .