النويري
350
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر مراسلة معاوية زيادا في شأن البيعة وما دار بين زياد وبين عبيد بن كعب النميري من الرأي وما اتفقا عليه قال : ولمّا قوى عزم معاوية على البيعة ليزيد ، كتب إلى زياد ابن أبيه يستشيره ، وزياد إذ ذاك يلي البصرة ، فلما ورد عليه كتاب معاوية أحضر عبيد بن كعب النميري وقال له : « إن لكلّ مستشير ثقة ، ولكل سرّ مستودع ، وإن الناس قد أبدع [ 1 ] بهم خصلتان : إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها ، وليس موضع السر إلَّا أحد رجلين : رجل آخرة يرجو ثوابا ، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه ، وقد خبرتهما منك ، وقد دعوتك إلى أمر أبهمت عليه بطون الصحف ، إن أمير المؤمنين كتب إلى يستشيرنى في كذا وكذا ، وإنه يتخوّف نفرة الناس ويرجو طاعتهم ، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم ، ويزيد صاحب رسلة وتهاون ، مع ما قد أولع به من حبّ الصيد فالق أمير المؤمنين وأدّ إليه عنّى فعلات يزيد ، وقل له رويدك [ بالأمر ] [ 2 ] وأحرى أن يتمّ لك ، ولا تعجل فإن دركا في تأخير خير من فوت في عجلة » . فقال له عبيد : أفلا غير هذا ؟ قال : وما هو ؟ قال : « لا تفسد على معاوية رأيه ، ولا تبغّض إليه ابنه ، وألقى أنا يزيد [ 3 ] وأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له ، وأنك تتخوّف خلاف الناس ، لهنات ينقمونها عليه ، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه ؛ لتستحكم له الحجّة على الناس ويتمّ ما يريد ، فتكون
--> [ 1 ] أبدع بهم : قطع بهم وخذلهم . [ 2 ] الزيادة من الطبري في ج 4 ص 225 وابن الأثير ج 3 ص 250 . [ 3 ] في تاريخ الطبري : « وألقى أنا يزيد سرا من معاوية » .