النويري
295
نهاية الأرب في فنون الأدب
فبعث إلى المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد ، فأخذ عبد الرحمن فقال له لئن كان أبوك أساء إلىّ لقد أحسن عمك [ 1 ] - يعنى زيادا - فكتب إلى معاوية : إني لم أجد في يد عبد الرحمن مالا يحلّ لي أخذه . فكتب إليه معاوية : أن عذّب عبد الرحمن . فقال لعبد الرحمن : احتفظ بما في يدك ، وألقى على وجهه حريرة [ 2 ] ونضحها بالماء فغشى عليه ، فعل ذلك ثلاث مرات ، ثم خلَّاه ، وكتب إلى معاوية : إني عذّبته فلم أجد عنده شيئا . ثم دخل المغيرة على معاوية فقال له [ 3 ] : ذكرت زيادا واعتصامه بفارس فلم أنم ليلتي . فقال المغيرة : ما زياد هناك ؟ فقال معاوية : « داهية العرب ! معه أموال فارس ، يدبّر الحيل ، ما يؤمننى أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت ، فإذا هم قد أعادوا الحرب جذعة ! » واستكتمه معاوية ذلك ، فقال المغيرة : أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه ؟ قال : نعم وتلطَّف له ، فأتاه المغيرة وقال له : إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك ، ولم يكن أحد يمدّ يده إلى هذا الأمر غير الحسن ، وقد بايع فخذ لنفسك قبل التّوطين فيستغنى معاوية عنك .
--> [ 1 ] كان الشهود على المغيرة عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع وشل ابن معبد وزياد ، وكلهم أولاد سمية ، إلا أن زيادا لم يقطع الشهادة ، فسلم المغيرة من الجلد بسبب زياد . [ 2 ] تطلق « الحريرة » على ما طبخ من الدقيق والدسم ، وعلى قطعة الحرير . [ 3 ] قال معاوية للمغيرة حين نظر إليه : إنما موضع سر المرء إن باح بالسر أخوه المنتصح فإذا بحت بسر فإلى ناصح يستره أولا تبح فقال : يا أمير المؤمنين إن تستودعنى تستودع ناصحا شفيقا ورعا وثيقا فما ذاك يا أمير المؤمنين قال : ذكرت زيادا . . . الخ .