النويري
292
نهاية الأرب في فنون الأدب
* ( ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) * [ 1 ] فأراد بسر قتلهم وأتاه أبو بكرة [ 2 ] فقال له : قد أخذت ولد أخي بلا ذنب ، وقد صالح الحسن معاوية على ما أصاب أصحاب علىّ رضى اللَّه عنه حيث كانوا ، فليس عليهم ولا على أبيهم سبيل ، وأجّله أياما حتّى يأتي بكتاب معاوية ، فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة ، فلما أتاه قال له : يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال ! قال : وما ذاك يا أبا بكرة ؟ قال : بسر يريد قتل بنى أخي زياد ، فكتب إليه بتخليتهم ، فأخذ كتابه وعاد ، فوصل البصرة يوم الميعاد ، وقد أخرج بسر أولاد زياد مع طلوع الشمس ، ينتظر بهم الغروب ليقتلهم ، واجتمع الناس لذلك وهم ينتظرون أبا بكرة ؛ إذ رفع على نجيب أو برذون يكدّه [ 3 ] ، فوقف فنزل عنه وألاح بثوبه ، وكبّر وكبّر الناس معه ، وأقبل يسعى على رجليه ، فأدرك بسرا قبل أن يقتلهم ، فدفع إليه الكتاب ، فأطلقهم . وكان زياد قد تحصّن بالقلعة التي تسمّى « قلعة زياد » . وأمّا بسر فلم يطل مقامه بالبصرة ، بل عزله معاوية في بقية سنة إحدى وأربعين ، وأراد أن يستعمل عتبة بن أبي سفيان [ 4 ] ، فكلمه ابن عامر وقال له : إن لي بالبصرة ودائع وأموالا ، فإن لم تولَّنى عليها ذهبت . فولَّاه البصرة ، فقدمها في آخر سنة إحدى وأربعين ، وجعل إليه خراسان وسجستان ، فجعل على شرطته حبيب بن شهاب
--> [ 1 ] آية 227 من سورة الشعراء . [ 2 ] سيأتي في « ذكر استلحاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه وهو ابن سمية » أن سمية أم زياد ولدت أبا بكرة - واسمه نفيع - عند الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي . [ 3 ] يكده : يستعجله . [ 4 ] أي : أراد معاوية بن أبي سفيان أن يستعمل أخاه عتبة بن أبي سفيان على البصرة .