النويري
25
نهاية الأرب في فنون الأدب
على أسفل الطَّومار . وأوصاه بما يقول ، وأعاد رسول علىّ معه ، فقدما المدينة في شهر ربيع الأوّل ، ودخل العبسىّ كما أمره معاوية ، والناس تنظر إلى الطَّومار ، حتّى دفعه إلى علىّ ، ففضّه ، فلم يجد فيه كتابا فقال للرسول : ما وراءك ؟ قال : وأنا آمن ؟ قال : نعم ، إن الرّسل لا تقتل : قال تركت قوما لا يرضون إلَّا بالقود [ 1 ] . قال : ممّن ؟ قال « من خيط رقبتك ! وتركت ستّين ألف شيخ يبكى تحت قميص عثمان ، وهو منصوب لهم ، قد ألبسوه منبر دمشق ! » قال : « أمنّى يطلبون دم عثمان ؟ ألست موتورا بترة [ 2 ] عثمان ؟ اللهمّ إنّى أبرأ إليك من دم عثمان ! نجا - واللَّه - قتلة عثمان إلَّا أن يشاء اللَّه فإنه إذا أراد أمرا أصابه ! اخرج . » قال وأنا آمن ؟ قال : وأنت آمن . فخرج العبسىّ ، فقالوا [ 3 ] : « هذا الكلب رسول الكلب ! اقتلوه ! » فنادى : يا آل مضر . يا آل قيس ، الخيل والنبل ، وباللَّه أقسم ليردّنّها عليكم أربعة آلاف خصىّ ! فانظروا كم الفحول والركاب ؟ » وتعاووا [ 4 ] عليه ، فمنعته مضر ، وجعلوا يقولون له : « اسكت » فيقول : « لا واللَّه ، واللَّه لا يفلح هؤلاء أبدا ، أتاهم ما يوعدون ، لقد حلّ بهم ما يحذرون ، انتهت واللَّه أعمالهم وذهبت ريحهم [ 5 ] .
--> [ 1 ] القود : القصاص . [ 2 ] جاء عند ابن جرير وابن الأثير : كترة » والترة : الثأر والظلم فيه ، والموتور : المصاب بقتل حميمه ولم يدرك ثأره . [ 3 ] القائلون هم السبئية كما جاء عند ابن جرير وابن الأثير . [ 4 ] تعاووا ( بالعين أو بالغين ) أي : تجمعوا وتعاونوا . [ 5 ] في القرآن الكريم : * ( ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) * والمراد بالريح الدولة والقوة .