النويري
250
نهاية الأرب في فنون الأدب
فأحاطوا بكنانة وأصحابه ، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب ، فنزل كنانة عن فرسه ونزل معه أصحابه ، فقاتل بسيفه حتّى قتل ، وبلغ قتله محمد بن أبي بكر ، فتفرّق عنه أصحابه ، وأقبل عمرو بجمع ، ولم يبق مع محمد أحد . فخرج محمد يمشى في الطريق ، فانتهى إلى خربة فأوى إليها ، وسار عمرو بن العاص حتّى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر ، فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق فسألهم عنه ، فقال أحدهم : دخلت تلك الخربة فرأيت فيها رجلا جالسا ، فقال ابن حديج : هو هو . فدخلوا فاستخرجوه وكاد يموت عطشا ، وأقبلوا به نحو الفسطاط . ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر رضى اللَّه عنهم إلى عمرو وكان في جنده ، وقال : أيقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه . فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد ، فقال : قتلتم كنانة بن بشر وأخلَّى أنا محمدا * ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) * [ 1 ] هيهات هيهات ! فقال لهم محمد بن أبي بكر رضى اللَّه عنه : اسقونى ماء . فقال ابن حديج : « لا سقاني اللَّه إن سقيتك قطرة أبدا ؛ إنكم منعتم عثمان شرب الماء ، واللَّه لأقتلنّك حتى يسقيك اللَّه من الحميم والغسّاق » . فقال له محمد : « يا ابن اليهودية النّسّاجة ، ليس ذلك إليك ، إنّما ذلك إلى اللَّه ، يسقى أولياءه ، ويظمىء أعداءه ؛ أنت وأمثالك ، أما واللَّه لو كان
--> [ 1 ] الآية 43 من سورة القمر .