النويري
104
نهاية الأرب في فنون الأدب
قدمت فأنت عليهم ، وإيّاك أن تبدأ القوم بقتال إلَّا أن يبدؤك ، حتّى تلقاهم فتدعوهم ، وتسمع منهم ، ولا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرّة بعد مرة ، واجعل على ميمنتك زيادا ، وعلى ميسرتك شريحا ، ولا تدن منهم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب ، ولا تباعد تباعد من يهاب البأس ، حتّى أقدم عليك ، فإنّى حثيث السّير في أثرك إن شاء اللَّه تعالى » . وكتب إلى شريح وزياد بذلك ، وأمرهما بطاعة الأشتر . . فسار الأشتر حتّى قدم عليهم ، وكفّ عن القتال ، ولم بزالوا متوقفين حتّى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور ، فثبتوا له واضطربوا ساعة ، ثمّ انصرف أهل الشام ، وخرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة المرقال ، وخرج إليه أبو الأعور ، فاقتتلوا يومهم ، وصبر بعضهم لبعض ، ثمّ انصرفوا ، وحمل عليهم الأشتر ، وقال أروني أبا الأعور ! فتراجعوا ، ووقف أبو الأعور وراء المكان الذي كان فيه أوّل مرّة ، وجاء الأشتر فصفّ أصحابه مكان أصحاب أبي الأعور بالأمس ، وقال الأشتر لسنان بن مالك النّخعىّ : انطلق إلى أبى الأعور فادعه إلى البراز . فقال : إلى مبارزتى أو مبارزتك ؟ فقال : للأشتر لو أمرتك بمبارزته لفعلت . قال : « نعم واللَّه لو أمرتني أن أعترض صفّهم بسيفي لفعلت . فدعا له ، وقال : إنّما تدعو لمبارزتى . فخرج إليهم فقال : أمّنونى فإنّى رسول . فأمّنوه ، فانتهى إلى أبى الأعور فقال له : إنّ الأشتر يدعوك إلى أن تبارزه . فسكت طويلا ، ثم قال : إنّ خفّة الأشتر وسوء رأيه حملاه على إجلاء عمّال عثمان عن العراق وتقبيح محاسنه ، وعلى أن سار إليه