النويري
48
نهاية الأرب في فنون الأدب
فخرج عمر إلى النّاس ، فقالوا : ما صنعت ؟ فقال : امضوا ثكلتكم أمّهاتكم ! ما لقيت في سببكم اليوم من خليفة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ! ثم خرج أبو بكر رضى اللَّه عنه حتى أتاهم ، فأشخصهم وشيّعهم وهو ماش ؛ وأسامة راكب ، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابّة أبى بكر ، فقال له أسامة : يا خليفة رسول اللَّه ، واللَّه لتركبن أو لأنزلنّ ! فقال : واللَّه لا تنزل وو اللَّه لا أركب ، وما علىّ أن أغبّر قدمىّ في سبيل اللَّه ساعة ؛ فإنّ للغازى بكلّ خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له ، وسبعمائة درجة ترفع له ، وتمحى عنه سبعمائة خطيئة ؛ حتى إذا انتهى أبو بكر ، قال لأسامة : إن رأيت أن تعيننى بعمر فافعل ، فأذن له . ثم قال : يأيّها الناس ، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنّى : لا تخونوا ولا تغلَّوا [ 1 ] ولا تغدروا ، ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ، ولا شيخا كبيرا ، ولا امرأة ، ولا تعقروا [ 2 ] نخلا ، ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلَّا لمأكلة ، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم بالصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له ، وسوف تقدمون على أقوام يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام ، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شئ فاذكروا اسم اللَّه عليها . وسوف تلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤسهم [ 3 ] ،
--> [ 1 ] الغلول : أخذ شئ من الغنيمة خفية قبل القسمة . [ 2 ] عقر النخلة : قطعها من أصلها فسقطت . [ 3 ] فحصوا رؤسهم . أي أن الشيطان جعلها مفاحص كما تستوطن القطا مفاحصها .