النويري
32
نهاية الأرب في فنون الأدب
الأمر . وقد كنت زوّرت في نفسي مقالة أقدّمها بين يدي أبى بكر ، وكنت أدارى منه بعض الحدّ ، وهو كان أوقر منى وأحلم ، فلمّا أردت أن أتكلَّم قال لي : على رسلك ! وكرهت أن أغضبه ، فقام ، فحمد اللَّه ، وأثنى عليه ، فما ترك شيئا زوّرت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت ، إلا قد جاء به ، أو بأحسن منه . وقال : أمّا بعد ، يا معشر الأنصار ، فإنّكم لا تذكرون منكم فضلا إلَّا أنتم له أهل ، وإنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلَّا لهذا الحىّ من قريش ؛ هم أوسط العرب دارا ونسبا ، وإنّى قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيّهما شئتم . وأخذ بيدي وبيد أبى عبيدة بن الجراح . يقول عمر وهو على المنبر : وإنّى واللَّه ما كرهت من كلامه شيئا غير هذه الكلمة ، أن كنت أقدّم فتضرب عنقي أحبّ إلىّ من أن أؤمّر على قوم فيهم أبو بكر . قال : فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل ، فقال : أنا جذيلها المحكَّك ، وعذيقها المرجّب ؛ منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش . قال عمر : وارتفعت الأصوات ، وكثر اللغظ ، فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبى بكر : ابسط يدك نبايعك ، فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، وبايعه الأنصار ، ثمّ نزوا على سعد ؛ حتى قال قائلهم : قتلتم سعد بن عبادة . فقلت : قتل اللَّه سعدا ! وإنا واللَّه ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبى بكر ، إنّا خشينا إن