النويري

3

نهاية الأرب في فنون الأدب

حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء « 1 » - يعنى الثوب - حتى تعلوني الشمس . فقال أنيس : إنّ لي صاحبا « 2 » بمكة فاكفنى حتى آتيك . فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث « 3 » علىّ ، ثم أتاني فقلت : ما حبسك ؟ قال : لقيت رجلا بمكة يزعم أن اللَّه أرسله على دينك « 4 » . قال : قلت ماذا يقول الناس فيه ؟ قال : يقولون إنه شاعر وساحر وكاهن . قال : وكان أنيس أحد الشّعراء - وفى رواية عنه : واللَّه ما سمعت بأشعر من أخي أنيس - لقد ناقض اثنى عشر شاعرا في الجاهلية أنا أحدهم . قال فقال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشّعر « 5 » فلم يلتئم ، وما يلتئم واللَّه على لسان أحد بعدى أنه شعر ، وو اللَّه إنه لصادق وإنهم لكاذبون . قال : قلت له هل أنت كافىّ حتى أنطلق فأنظر ؟ فقال : نعم ! وكن من أهل مكة على حذر ، فإنهم قد شنفوا « 6 » له وتجهّموا . فانطلقت حتى قدمت مكة ، فتضعّفت « 7 » رجلا منهم فقلت : أين هذا الذي تدعونه الصابئ ؟ قال : فأشار إلىّ ، الصابئ « 8 » ! فمال علىّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علىّ . قال : فارتفعت حين ارتفعت كأنّى نصب « 9 » أحمر ، فأتيت زمزم فشربت من مائها ، وغسلت عنّى الدّم ، ودخلت بين الكعبة وأستارها ، ولقد لبثت يا بن أخي ثلاثين من بين ليلة ويوم ومالي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع « 10 » . قال : فبينما أهل مكة في ليلة

--> « 1 » الخفاء ( بالكسر ) : يعنى الكساء وكل شئ غطيت به شيئا فهو خفاء ، وقد فسره المؤلف . « 2 » في الدلائل والطبقات : إن لي حاجة . الخ . « 3 » راث : أبطأ . « 4 » في الدلائل : « على دينه » ؛ أي على دين اللَّه . « 5 » أقراء الشعر : طرقه وأنواعه . « 6 » شنف له كفرح : أبغضه وتنكره . وتجهم له : استقبله بغلظة ووجه كريه . « 7 » تضعفت : استضعفت . « 8 » في الطبقات : « هذا الصابئ » . « 9 » النصب : الصنم ؛ والمعنى أنهم ضربوه حتى أدموه فصار كالنصب الحمر بدم الذبائح . « 10 » ( 10 ) سخفة الجوع : رقته وهزاله .