النويري
4
نهاية الأرب في فنون الأدب
قمراء إضحيان « 1 » ، قد ضرب اللَّه على أصمخة أهل مكة فما يطوف بالبيت أحد غير امرأتين وهما تدعوان إسافا ونائلة « 2 » ، فأتتا علىّ في طوافهما فقلت : أنكحا إحداهما الأخرى ، فما ثناهما ذلك عما قالتا « 3 » . فأتتا علىّ فقلت : هن مثل الخشبة غير أنّى لا أكنى ، فانطلقتا تولولان وتقولان : لو كان ها هنا أحد من أنفارنا ! قال : فاستقبلهما رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل ، فقال لهما : ما لكما ؟ قالتا : الصّابئ بين الكعبة وأستارها . قالا : ما قال لكما ؟ قالتا : قال لنا كلمة تملأ الفم . فجاء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هو وصاحبه [ فاستلم الحجر ثم طاف بالبيت هو وصاحبه « 4 » ] ثم صلَّى ، فلما قضى صلاته قال أبو ذرّ : فأتيته فكنت أوّل من حيّاه بتحيّة الإسلام ؛ فقال : « وعليك ورحمة اللَّه » ، ثم قال : « ممن أنت » ؟ قلت : من غفار ، قال : فأهوى بيده فوضع يده على جبينه ، فقلت في نفسي : كره أنى انتميت إلى غفار ، قال : فأهويت لآخذ بيده ، فقدعنى « 5 » صاحبه وكان أعلم به منّى ، ثم رفع رأسه فقال : « متى كنت هاهنا » ؟ قلت : منذ ثلاثين من ليلة ويوم « 6 » ، قال : « فمن كان يطعمك » ؟ قلت : ما كان لي من طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتّى تكسّرت عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « إنها مباركة ، إنها طعام طعم « 7 » ، وشفاء سقم » فقال أبو بكر : يا رسول اللَّه ! إيذن لي في إطعامه الليلة ، ففعل ، فانطلق رسول اللَّه
--> « 1 » أضحيان : مضيئة مقمرة . يقال : ليلة إضحيان وإضحيانة ؛ والألف والنون زائدتان . « 2 » إساف ونائلة : صنمان . « 3 » في الأصول : « قالا » . وفى الطبقات : « عن قولهما » . « 4 » الزيادة من الدلائل . « 5 » قدعنى : منعني . وفى ابن الأثير فذهبت أقبل بين عينيه فقدعنى بعض أصحابه . « 6 » في الدلائل : قد كنت ها هنا منذ ثلاثين ليلة ويوم . وفى الطبقات : من بين ليلة ويوم . « 7 » طعام طعم : أي يشبع الإنسان إذا شرب ماءها كما يشبع من الطعام .