النويري

68

نهاية الأرب في فنون الأدب

مثل ما نزل بقريش من النّقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أنّى نبىّ مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد اللَّه إليكم ؛ قالوا : يا محمد ، لا يغرّنّك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة ، إنّا واللَّه لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس . فأنزل اللَّه تعالى فيهم : * ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمِهادُ . قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِه مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصارِ « 1 » ) * . حكاه ابن إسحاق بسند يرفعه إلى ابن عباس . وقال ابن هشام في سبب هذه الغزاة : إنّ امرأة من العرب حلَّت بجلب « 2 » لها ، فباعته بسوق بنى قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوءتها ، فضحكوا منها ، فصاحت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهوديا ، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فأغضبهم ، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع . عدنا إلى مساق حديث ابن سعد ؛ قال : فسار رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إليهم ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب ، وكان أبيض ، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر ، ثم سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة ، وكانوا أوّل من غدر من اليهود ، وحاربوا وتحصّنوا في حصنهم ، فحاصرهم أشدّ الحصار ، حتى قذف اللَّه في قلوبهم الرعب ، ونزلوا على حكم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وأن لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أموالهم ، وأن لهم النساء والذّرّيّة ، فأمر

--> « 1 » من سورة آل عمران آية 12 - 13 . « 2 » الجلب : ما جلب من خيل وإبل ومتاع .