النويري
32
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذا مال كثير متفرّق في قومه « 1 » ] . وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر ، وبعث مكانه العاص ابن هشام بن المغيرة [ وكذلك كانوا صنعوا ، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا « 2 » ] ، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر كتبه « 3 » اللَّه وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا قوّة وعزا ، وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أنحت الأقداح في حجرة زمزم ، فو اللَّه إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أمّ الفضل جالسة ، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ ، حتى جلس على طنب « 4 » الحجرة ، وكان ظهري إلى ظهره ، فبينما هو جالس إذ قال الناس « 5 » : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب . فقال أبو لهب : هلمّ إلىّ ، فعندك لعمري الخير . قال : فجلس إليه والناس قيام عليه ، فقال : يا بن أخي ، أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال : واللَّه ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ، ويأسروننا كيف شاؤوا ، وأيم اللَّه مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجالا بيضا ، على خيل بلق بين السماء والأرض ، واللَّه ما تليق « 6 » شيئا ولا يقوم لها شئ . قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة [ بيدي « 7 » ] ثم قلت : تلك واللَّه الملائكة . قال : فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة ، فثاورته « 8 » فاحتملنى ، فضرب بي الأرض ، ثم برك على صدري ، وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلقت « 9 » رأسه شجّة منكرة ، وقالت :
--> « 1 » زيادة من سيرة ابن هشام . « 2 » زيادة من سيرة ابن هشام . « 3 » كبته : أذله . « 4 » طنب الحجرة : طرفها . والطنب أيضا : حبل طويل يشدّ به سرادق البيت . « 5 » كذا في ج . وفى أ : « للناس » . « 6 » ما تليق : ما تبقى . « 7 » ساقطة من أ . « 8 » ثاورته : وأثبته . « 9 » كذا في أ . وفى ج : « فلقت في رأسه » . وفى السيرة : « فلعت في رأسه » .