النويري

49

نهاية الأرب في فنون الأدب

قيس ، وأجدبت فلم تصبهم سماء يعقد بها الثّرى ، ولا ينبت بها الكلأ ، فذاب الشّحم ، وذهب اللحم ، وتهافتوا ضرّا وهزلا ، فاجتمعوا للمشورة وإجالة الرأي ، وقد عزموا على الرّحلة وانتجاع البلاد ، فقالت فرقة منهم : انتجعوا بلاد سعد وبطن العشر « 1 » ، وقالت فرقة أخرى : إنّ تميما عدد . كثير لا يفضل منهم ما يكفيكم ، وقالت فرقة أخرى : لينتجع كلّ ولد أب منكم ولد أب من غيركم ، واعقدوا معهم حلفا تشركونهم به في ربعهم « 2 » ؛ فقام رجل حسن الوجه ، مجتمع الخلق ، جيّد الرأي ، فقال : يا بنى عيلان « 3 » ، إنكم قد أصبحتم في أمر ليس بالهزل ؛ هذا أمر عظيم خطره ، متباعد أمره ؛ قد بلغنا أن عبد المطَّلب بن هاشم سيّد البطحاء استسقى فسقى ، ودعا فأجيب ، واستجير به فأجار ، فاجعلوا قصدكم إليه ، ووفادتكم عليه ، فإن ذلك أوكد للسّبب ، وأوجه في الطَّلب . قالوا : أحسن الرّأى ، فرحلت قيس وهذيل ، ومن دنا منهم حتّى أتوا عبد المطَّلب ، فقالوا : أفلح الوجه أبا الحارث ! نحن ذووا أرحامك الواشجات « 4 » ، أصابتنا سنون مجدبات ، أهزلن السّمين ، وأنفدن « 5 » المعين ، وقد بلغنا خبرك ، وبان لنا « 6 » أمرك ، وكلاما نحو هذا . فقال : موعدكم جبل عرفات ، ثم خرج في بنيه وبنى أميّة حتى أتى جبل عرفات ، فصعد الجبل فقال : الَّلهم ربّ الريح العاصف ، والرّعد القاصف ، والبرق الخاطف ، منشىء السّحاب ، ومالك الرّقاب ، ذي المنن العظام ، والأيادى الجسام ؛ هذه مضر

--> « 1 » العشر بضم ففتح : شعب لهذيل قرب مكة ، أو واد في ديار تميم بين البصرة ومكة . ويقال : بطن ذي عشر . ياقوت 9 : 179 ، تاج العروس 3 : 404 ، لسان ( عشر ) . « 2 » الربع : المنزل . وفى الأصل : « ريعهم » . « 3 » في الأصل : « غيلان » بالمعجمة ، تصحيف . « 4 » أرحام واشجة : متصلة متآلفة . « 5 » في الأصل : « وأنفدنا » ، تصحيف . « 6 » في الأصل : « وبارلنا » ، ولعل الصواب ما أثبت .