النويري

409

نهاية الأرب في فنون الأدب

فقلت لأمّى : يا أمّتاه ، ما يتحدّث الناس ؟ قالت : يا بنيّة ، هوّنى عليك ، فو اللَّه لقلَّما كانت امرأة قطَّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، قالت فقلت : سبحان اللَّه ! ولقد تحدّث الناس بهذا ؟ ! قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ « 1 » لي دمع ، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكى ، فدعا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضى اللَّه عنهما حين استلبث الوحي « 2 » يستأمرهما في فراق أهله . قالت : فأما أسامة بن زيد ، فأشار على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودّ ، فقال : يا رسول اللَّه ، أهلك وما نعلم إلا خيرا . وأما علىّ بن أبي طالب - رضى اللَّه عنه - فقال : يا رسول اللَّه ، لم يضيّق اللَّه عليك ، والنساء سواها كثير « 3 » ، وإن تسأل الجارية تصدقك . قالت : فدعا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بريرة ، فقال : « أي بريرة ، هل رأيت من شئ يريبك » ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحقّ ، إن رأيت عليها أمرا أغمصه « 4 » عليها ، أكثر من أنها جارية حديثة السنّ تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن « 5 » فتأكله . فقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فآستعذر من عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول ، قالت : فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو على المنبر : « يا معشر المسلمين ، من يعذرني « 6 » من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ! فو اللَّه ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلَّا خيرا ، وما كان

--> « 1 » لا يرقأ : لا ينقطع . « 2 » الوحي : بالرفع فاعل ؛ أي طال لبث نزوله ، وضبط بالنصب على أنه مفعول به ؛ أي استبطأ النبي صلى اللَّه عليه وسلم الوحي . « 3 » في الأصل : « كثيرون تسأل الخ » ، وما أثبتناه عن البخاري . « 4 » إن رأيت : ما رأيت . وأغمصه : أعيبه . « 5 » الداجن : الشاة التي تألف البيوت ولا تخرج إلى المرعى . « 6 » من يعذرني : من يقوم بعذرى إن كافأته على قبيح فعله ، ولا يلومنى ! أو من ينصرني ! .