النويري
403
نهاية الأرب في فنون الأدب
ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار ، يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه ، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنىّ - حليف بنى عوف بن الخزرج - على الماء ، فاقتتلا ، فصرخ الجهنىّ : يا معشر الأنصار ! وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين ! فغضب عبد اللَّه بن أبىّ ، وعنده رهط من قومه ، فيهم زيد بن أرقم - غلام حدث - فقال : أو قد فعلوها ! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، واللَّه ما أعدّنا وجلابيب قريش « 1 » هذه إلا كما قال الأول : سمّن كلبك يأكلك ؛ أما واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ . ثم أقبل على من حضره من قومه وقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ! أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم « 2 » أموالكم ، واللَّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم . قال : فمشى زيد بن أرقم إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب ، فقال عمر : مر به عبّاد بن بشر فليقتله ؛ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « فكيف يا عمر إذا تحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ! لا ، ولكن أذّن بالرحيل » ، فارتحل الناس في ساعة لم يكن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يرتحل فيها ، وجاء عبد اللَّه بن أبىّ إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فحلف باللَّه : ما قلت ما قال زيد بن أرقم عنّى ، وما تكلمت به ، فقال من حضر من الأنصار : يا رسول اللَّه ، عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل . فلما استقلّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لقيه أسيد بن حضير فقال : يا نبىّ اللَّه ، واللَّه لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها . قال : « أو ما بلغك
--> « 1 » جلابيب قريش : لقب من كان أسلم من المهاجرين ؛ لقبهم بذلك المشركون ، وأصل الجلابيب : الأزر الغلاظ ، وكانوا يلتحفون بها ، فلقبوهم بذلك . « 2 » في الأصل : « أحللتموه بلادكم وقاسمتموه أموالكم » ، وما أثبتناه عن ابن هشام .