النويري

364

نهاية الأرب في فنون الأدب

فلما نزل بقباء في بنى عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا على رأس نخلة أعمل فيها ، وعمتى خلدة « 1 » بنت الحارث تحتى جالسة ، فلما سمعت الخبر كبّرت ؛ فقالت عمتي حين سمعت تكبيري : خيبك اللَّه ! واللَّه لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت . قال : قلت لها : أي عمة ، هو واللَّه أخو موسى بن عمران وعلى دينه ، بعث بما بعث به ؛ قالت : أي ابن أخي ، هذا النبي الذي كنا نخبر به أنه يبعث مع نفس الساعة ؟ قلت نعم ؛ قالت : فذاك إذا ؛ قال : ثم خرجت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأسلمت ؛ فلما رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا ، وكتمت إسلامي من يهود ، ثم جئت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقلت : يا رسول اللَّه ، إنّ يهود قوم بهت « 2 » ، وإني أحبّ أن تدخلني بعض بيوتك فتغيّبنى عنهم ، ثم تسألهم عنى حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامى ، فإنهم إن علموا به بهتوني ؛ قال : فأدخلنى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعض بيوته ، ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه ثم قال لهم : « أىّ رجل الحصين بن سلام فيكم » ؟ فقالوا : سيدنا وابن سيدنا وعالمنا ؛ فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم : يا معشر يهود ، اتقوا اللَّه واقبلوا ما جاءكم به ، فو اللَّه إنكم لتعلمون أنه لرسول اللَّه تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته ، فإني أشهد أنه رسول اللَّه ، وأو من به ، وأصدقه وأعرفه ؛ فقالوا : كذبت ، ثم وقعوا بي ، فقلت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : ألم أخبرك يا رسول اللَّه أنهم قوم بهت ، أهل غدر وكذب وفجور ؛ ؟ قال : وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي ، وأسلمت عمتي خلدة بنت الحارث فحسن إسلامها .

--> « 1 » ويقال : « خالدة » . « 2 » بهت : جمع بهوت ، والبهوت : المباهت مبالغة في اسم الفاعل ، من البهتان وهو الكذب ( راجع نهاية ابن الأثير ) .