النويري

309

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأن محمدا عبده ورسوله ، وإلى أن تأوونى وتنصرونى ، فإنّ قريشا قد ظاهرت على أمر اللَّه ، وكذبت رسله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، واللَّه هو الغنىّ الحميد » . فقال مفروق بن عمرو : وإلام تدعونا يا أخا قريش ؟ فو اللَّه ما سمعت كلاما أحسن من هذا ، فتلا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : * ( ( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) ) * إلى قوله : * ( ( وَصَّاكُمْ بِه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) * « 1 » ، فقال مفروق : وإلام تدعونا يا أخا قريش ؟ فو اللَّه ما هذا من كلام أهل الأرض ، قال : فتلا عليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : * ( ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ ) ) * ، إلى قوله : * ( ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ) * ، « 2 » فقال مفروق : دعوت واللَّه يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك « 3 » قوم كذبوك وظاهروا « 4 » عليك - وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال : وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا . قال هانئ : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أوّل ولا آخر ، إنه زلل في الرأي ، وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلَّة مع العجلة ، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ، ولكن ترجع ونرجع ، وتنظر وننظر في العاقبة ، وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة ، فقال : وهذا المثنّى شيخنا وصاحب حربنا ، فقال المثنّى : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ، ومشايعتك على دينك ، وإنا إنما نزلنا بين صيرين « 5 » : اليمامة والسّمامة ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « ما هذان الصّيران » ؟ . فقال : أنهار كسرى ومياه العرب ، فأمّا ما كان من أنهار كسرى ؛ فذنب صاحبه غير مغفور ، وعذره

--> « 1 » سورة الأنعام 151 - 153 « 2 » سورة النحل 90 « 3 » أفك : كذب . « 4 » ظاهروا عليك ، أي أعانوا عليك . « 5 » الصير بالكسر : الماء يحضره الناس ، ويروى : بين صيرتين ، فعلة منه .