النويري
308
نهاية الأرب في فنون الأدب
أما واللَّه لو شئت لأخبرتك من قريش ، فتبسم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، قال علىّ : فقلت : يا أبا بكر ؛ لقد وقعت من الأعراب على باقعة « 1 » ، قال : أجل يا أبا الحسن ، « ما من طامّة إلا وفوقها طامّة » ، و « البلاء موكل بالمنطق » . قال : ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار ، فتقدّم أبو بكر فسلم وقال : ممن القوم ؟ قالوا : من شيبان بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : بأبى وأمي هؤلاء غرر الناس ! وفيهم مفروق بن عمرو ، وهانئ بن قبيصة ، والمثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك ، وكان مفروق قد غلبهم جمالا ولسانا ، وكانت له غديرتان تسقطان على تربيتيه « 2 » ، وكان أدنى القوم مجلسا ، فقال أبو بكر : كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق : إنا لنزيد على ألف ، ولن تغلب ألف من قلة ، فقال أبو بكر : فكيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق : علينا الجهد ، ولكل قوم جدّ ؛ فقال أبو بكر : فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق : إنا لأشدّ ما نكون غضبا حين نلقى ، وإنا لأشدّ ما نكون لقاء حين نغضب ، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد ، والسلاح على اللَّقاح « 3 » ، والنصر من عند اللَّه ، يديلنا مرة ، ويديل علينا أخرى ، لعلَّك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر : قد بلغكم أنه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ألا هو ذا ، قال مفروق : بلغنا أنه يذكر ذلك ، وإلام تدعو يا أخا قريش ؟ فتقدّم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فجلس ، وقام أبو بكر يظلَّه بثوبه ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ،
--> « 1 » الباقعة : الرجل الذكي العارف لا يفوته شئ . « 2 » التريبة : أعلى صدر الإنسان تحت الذقن . « 3 » اللقاح : الإبل ؛ واحدته لقوح ، بالفتح .