النويري
297
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعرىّ وجماعة من أصحابه : إنه رأى اللَّه ببصره وعيني « 1 » رأسه وقال : كل آية أوتيها نبىّ من الأنبياء عليهم السلام فقد أوتى مثلها نبيّنا ، وخص من بينهم بتفضيل الرؤية . قال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى رحمه اللَّه : والحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا ، وليس في العقل ما يحيلها ، والدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى عليه السلام لها ، ومحال أن يجهل نبىّ ما يجوز على اللَّه تعالى وما لا يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل ، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علَّمه اللَّه ، فقال له اللَّه تعالى : * ( ( لَنْ تَرانِي ) ) * أي لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي ، ثم ضرب له مثالا بما هو أقوى من نبيّه موسى وأثبت وهو الجبل . قال : وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا ، بل فيه جوازها على الجملة ، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها ، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة . قال : ولا حجة لمن يستدلّ على منعها بقوله : * ( ( لا تُدْرِكُه الأَبْصارُ ) ) * لاختلاف التأويلات في الآية ، وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية ، وعدم استحالتها على الجملة . وقد قيل : * ( ( لا تُدْرِكُه الأَبْصارُ ) ) * ، أي لا تحيط به ، وهو قول ابن عباس ، وقد قيل : * ( ( لا تُدْرِكُه الأَبْصارُ ) ) * . وإنما يدركه المبصرون . قال : وكل هذه التأويلات لا تقتضى منع الرؤية ولا استحالتها ، وحيث تتطرّق التأويلات وتتسلط الاحتمالات ، فليس للقطع سبيل ، وكذلك وجوب الرؤية لنبينا صلى اللَّه عليه وسلم ، والقول بأنه رآه بعينه . فليس فيه قاطع أيضا ولا نصّ ، إذ المعوّل فيه على آيتي النجم ، والتنازع فيهما مأثور ، والاحتمال لهما ممكن ، ولا أثر قاطع متواتر عن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم بذلك . واللَّه تعالى أعلم بالصواب .
--> « 1 » في الأصل : « وعين رأسه » ، وما أثبتناه عن الشفاء .