النويري

240

نهاية الأرب في فنون الأدب

* ( ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِه ) ) * « 1 » الآية ، فمعنى ( تمنى ) تلا ، قال اللَّه تعالى : * ( ( لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ ) ) * « 2 » أي تلاوة ، وقوله : * ( ( فَيَنْسَخُ الله ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ) ) * « 3 » أي يذهبه ويزيل اللبس به ، ويحكم آياته ، قال : ومما يظهر في تأويله أيضا أن مجاهدا روى هذه القصة : « والغرانقة العلا » . فإن سلمنا القصة قلنا : لا يبعد أنّ هذا كان قرآنا ، والمراد بالغرانقة العلا ، وأن شفاعتهنّ لترتجى : الملائكة على هذه الرواية ، وبهذا فسر الكلبىّ الغرانقة أنها الملائكة ، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات اللَّه ، كما حكى اللَّه عنهم وردّ عليهم في هذه السورة بقوله : * ( ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ ولَه الأُنْثى ) ) * « 4 » ، فأنكر اللَّه كل هذا من قولهم ؛ ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح ، فلما تأوّله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ، ولبّس عليهم الشيطان ذلك ، وزينه في قلوبهم ، وألقاه إليهم ؛ نسخ اللَّه ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما للتلبيس سبيلا ، كما نسخ كثيرا من القرآن ورفعت تلاوته . قال : وكان في إنزال اللَّه تعالى لذلك حكمة ، وفى نسخه حكمة ، ليضلّ به من يشاء ، ويهدى من يشاء وما يضل به إلا الفاسقين ، و * ( ( لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ . ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّه الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِه فَتُخْبِتَ لَه قُلُوبُهُمْ ) ) * « 5 » . وقيل : إنّ النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم لما قرأ هذه السورة [ وبلغ إلى ذكر اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى ، خاف الكفار أن يأتي بشئ من ذمّها ، فسبقوا

--> « 1 » سورة الحج : 51 ، وذكر القرطبي خبر القاضي عياض عند تفسيره للآية ج 12 ص 82 . « 2 » سورة البقرة : 78 . « 3 » سورة الحج : 52 . « 4 » سورة النجم : 21 . « 5 » سورة الحج : 53 ، 54