النويري
238
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولا تشغيب « 1 » للمعادى حينئذ أشدّ من هذه الحادثة لو أمكنت ؛ فما روى عن معاند فيها كلمة ، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة ؛ فدل على بطلها ، واجتثاث أصلها . قال القاضي عياض : ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفّلى المحدّثين ، ليلبّس به على ضعفاء المسلمين . ووجه رابع ، ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت : * ( ( وإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) ) * الآيتين ، وهاتان الآيتان ترددان الخبر الذي رووه ، لأن اللَّه تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفترى ، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم ؛ فمضمونه هذا . ومفهومه أن اللَّه عصمه من أن يفترى ، وثبّته حتى لم يركن إليهم قليلا ، فكيف كثيرا ! وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم ، وأنه قال عليه السلام : « افتريت على اللَّه وقلت ما لم يقل » ؛ وهذا ضد مفهوم الآية ، وهى تضعّف الحديث لو صح ، فكيف ولا صحة له ! ، وروى عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال : كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون ، قال اللَّه تعالى : * ( ( يَكادُ سَنا بَرْقِه يَذْهَبُ بِالأَبْصارِ ) ) * « 2 » ، ولم يذهب . قال القاضي القشيرىّ « 3 » : ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مرّ بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ، ووعدوه الإيمان به إن فعل ، فما فعل ولا كان ليفعل صلى اللَّه عليه وسلم . وأما المأخذ الثاني - وهو مبنىّ على تسليم الحديث لو صحّ ، وقد أعاذنا اللَّه من صحته - فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ذكرها القاضي عياض « 4 » وضعّف بعضها ، واستحسن بعضا ، نذكر منها ما استحسنه وجوّزه إن شاء اللَّه .
--> « 1 » أي ولا تهييج للفتنة والشر . « 2 » سورة النور : 43 . « 3 » في الأصل : « القشترى » وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا كما في القاضي عياض ص 121 . « 4 » الشفاء ج 2 ص 116 - 123 .