النويري
229
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر ما نال أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من أذى قريش وعذابهم ليفتنوهم عن دينهم قال محمّد بن إسحاق : ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من أصحابه ، فوثبت كلّ قبيلة على من فيها من المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ويعذّبونهم بالضّرب والجوع والعطش ، وبرمضاء مكَّة إذا اشتد الحرّ ؛ من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم من يفتتن « 1 » من شدّة البلاء الذي يصيبه ، ومنهم من يعصمه اللَّه ، فكان بلال بن رباح « 2 » مولى أبى بكر الصدّيق رضى اللَّه عنهما لبعض بنى جمح مولَّدا من مولَّديهم ، وكان صادق الإسلام ، طاهر القلب ، فكان أميّة بن خلف يخرجه إذا حميت الظَّهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكَّة ، ثم يأمر بالصّخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمّد ، وتعبد اللَّات والعزّى ؛ فيقول - وهو في ذلك البلاء - أحد أحد ، فكان ورقة بن نوفل يمرّ به وهو يعذّب بذلك وهو يقول : أحد أحد ، فيقول : أحد أحد واللَّه يا بلال ؛ ثم يقبل على أميّة بن خلف وهو يصنع به ذلك فيقول : أحلف باللَّه لئن قتلتموه على هذا لأتخذنّه حنانا « 3 » ؛ حتى مرّ به أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه يوما وهم يصنعون به ذلك ، فقال لأميّة : ألا تتقى اللَّه في هذا المسكين ، حتّى متى ! فقال : أنت أفسدته فأنقذه ممّا ترى . قال : أفعل ، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى ، وهو على دينك ، أعطيكه به . قال : قد قبلت ؛ قال : هو لك . فأعطاه أبو بكر
--> « 1 » في الأصل : « فمن يفتتن » وما أثبتناه عن ابن هشام ( 1 : 205 ) . « 2 » في الأصل ما يفيد أن بلالا كان من موالى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وليس كذلك ، فإن بلالا هذا كان من خدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لا من مواليه . انظر المعارف ص 88 ، وابن كثير ج 3 ص 57 . « 3 » لأجعلن قبره موضع حنان ، فأزوره وأتبرك به .