النويري

216

نهاية الأرب في فنون الأدب

في الدنيا والآخرة ، وإن تردّوه علىّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم » . قالوا : فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربّك إن شاء فعل ، فإنّا لا نؤمن لك إلَّا أن تفعل . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « ذلك إلى اللَّه ، إن شاء يفعله بكم فعل » قالوا : يا محمد ، أفما علم ربّك أنّا سنجلس معك ونسألك عمّا سألناك عنه ونطلب ، فيتقدّم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك بما هو صانع في ذلك بنا ، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلَّمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن ، وإنا واللَّه لا نؤمن بالرحمن أبدا ، فقد أعذرنا إليك يا محمد ، وإنا واللَّه لا نتركك وما بلغت منّا حتى نهلكك أو تهلكنا . وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة ، وهى بنات اللَّه . وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتى باللَّه والملائكة قبيلا ؛ فلما قالوا ذلك لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قام عنهم وقام معه عبد اللَّه بن أبي أميّة بن المغيرة - وهو ابن عمّته - فقال له : يا محمد ، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من اللَّه كما تقول ، ويصدّقوك ويتّبعوك فلم تفعل ، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ، ومنزلتك من اللَّه فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فو اللَّه لا أو من بك أبدا حتى تتّخذ إلى السماء سلَّما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ، ثم تأتى معك بصكّ ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وأيم اللَّه لو فعلت ذلك ما ظننت أنى أصدّقك ؛ ثم انصرف عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وانصرف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته ممّا كان يطمع به من قومه حين دعوه « 1 » .

--> « 1 » في الأصل : « عن دعوة » ، والتصويب عن ابن هشام ج 1 ص 319 .