النويري
200
نهاية الأرب في فنون الأدب
ثم مشوا إلى أبى طالب مرّة أخرى فقالوا : يا أبا طالب ، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا ، وإنا واللَّه لا نصبر على هذا ، من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفّه عنا ، أو ننازله وإيّاك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ؛ ثم انصرفوا عنه ، فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بإسلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لهم ولا خذلانه . فبعث أبو طالب إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : يا بن أخي ، إن قومك قد جاؤنى فقالوا لي كذا وكذا ، فأبق علىّ وعلى نفسك ، ولا تحمّلنى من الأمر ما لا أطيق ؛ قال : فظنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قد بدا لعمه « 1 » فيه ، وأنه خاذله ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه ، فقال « 2 » له : « يا عمّ ، واللَّه لو وضعوا الشّمس في يميني والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه ما تركته » ؛ ثم استعبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « 3 » وقام ، فلما ولَّى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا بن أخي ، فأقبل عليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ، فو اللَّه لا أسلمك لشئ أبدا . قال « 4 » : ثم إن قريشا لما عرفوا « 5 » أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له : يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد أنهد « 6 » فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتّخذه ولدا فهو لك خير ، وأسلم لنا ابن أخيك هذا
--> « 1 » في الأصل : « قد بذل » . « 2 » في البداية ( 3 : 48 ) عن ابن إسحاق : « فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يا عم » . « 3 » في سيرة ابن هشام 1 : 285 ، وعيون الأثر 1 : 100 ، والبداية 3 : 48 : « وسلم فبكى ثم قام » . « 4 » القائل ابن إسحاق ، وانظر السيرة لابن هشام 1 : 285 ، وعيون الأثر 1 : 100 . « 5 » في سيرة ابن هشام 1 : 285 ، وعيون الأثر : « حين عرفوا » . « 6 » أنهد : أشد وأقوى .