النويري

157

نهاية الأرب في فنون الأدب

إلى العراق بما يصلحهم ، وكتب إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور ، فأسكنهم في الحيرة ، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النّعمان بن المنذر . ومن ذلك ما روى أن مرثد بن عبد كلال قفل من غزاة غزاها بغنائم عظيمة ، فوفد عليه زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنّونه ؛ فرفع الحجاب عن الوافدين ، فأوسعهم عطاء ، واشتدّ سروره بتقريظ الخطباء والشعراء ، فبينا هو على ذلك أرى في المنام رؤيا أخافته وذعرته وهالته في حال منامه ، فلما انتبه أنسيها حتى ما تذكَّر منها شيئا ، وثبت ارتياعه في نفسه لها ، فانقلب سروره حزنا ، فاحتجب عن الوفود حتى أساؤا الظن به ، ثم حشد الكهّان ، فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول : أخبرني عما أريد أن أسألك ، فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندي ، حتى لم يدع كاهنا علمه ، فتضاعف قلقه ، فقالت له أمّه ، وكانت قد تكهّنت : أبيت اللعن ! إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه ، لأن أتباع الكواهن من الجن ألطف من أتباع الكهّان ، فأمر بحشر الكواهن إليه ، وسألهن كما سأل الكهّان فلم يجد عند واحدة منهن علم ما أراد علمه ، فلما يئس من طلبته سلا عنها ؛ ثم إنه بعد ذلك ذهب يتصيّد فأوغل في الصيد ، وانفرد عن أصحابه ، فرفعت له أبيات في ذرى جبل وقد لفحه الهجير ، فعدل إلى الأبيات ، وقصد بيتا منها كان منفردا عنها ، فبرزت إليه منه عجوز فقالت : انزل بالرّحب والسّعة ، والأمن والدّعة ، والجفنة المدعدعة ، والعلبة المترعة ، فنزل عن جواده ودخل البيت ، فلما احتجب عن الشمس وخفقت عليه الأرواح نام فلم يستيقظ حتى تصرّم الهجير ، فجلس يمسح عينيه فإذا بين يديه فتاة لم ير مثلها جمالا وقواما ، فقالت له : أبيت اللَّعن أيها الملك الهمام ! هل لك في الطعام ؟ فاشتدّ إشفاقه ، وخاف على نفسه لما رأى أنها قد عرفته ، وتصامم عن كلمتها ، فقالت له :