النويري
158
نهاية الأرب في فنون الأدب
لا حذر ، فداك البشر ، فجدّك الأكبر ، وحظَّنا بك الأوفر ، ثم قرّبت إليه ثريدا وقديدا وحيسا ، وقامت تذب عنه حتى انتهى أكله ثم سقته لبنا صريفا وضريبا فشرب ما شاء ، وجعل يتأمّلها مقبلة ومدبرة فملأت عينيه حسنا ، وقلبه هوى ، ثم قال لها : ما اسمك يا جارية ؟ قالت : اسمى عفيراء ، قال لها : من الذي دعوته الملك الهمام ؟ قالت : مرثد العظيم الشان ، الحاشر الكواهن والكهّان ، لمعضلة يعلّ بها الجان ، قال يا عفيراء : أتعلمين ما تلك المعضلة ؟ قالت : أجل أيها الملك الهمام ، إنها رؤيا منام ، ليست بأضغاث أحلام ، قال : أصبت يا عفيراء ، فما تلك الرؤيا ؟ قالت : رأيت أعاصير زوابع ، بعضها لبعض تابع ، فيها لهب لامع ، ولها دخان ساطع ، يقفوها نهر متدافع ، وسمعت فيما أنت سامع ، دعاء ذي جرس صادع : هلمّوا إلى المشارع ، هلموا إلى المشارع ، روىّ جارع ، وغرق كارع . قال الملك : أجل هذه رؤياي ! فما تأويلها يا عفيراء ؟ قالت : الأعاصير « 1 » الزوابع ، ملوك تبابع ، والنهر علم واسع ، والداعي نبي شافع ، والجارع ولىّ له تابع ، والكارع عدوّله منازع . قال : يا عفيراء أسلم هذا النبىّ أم حرب ؟ قالت : أقسم برافع السماء ، ومنزل الماء « 2 » من العماء ، إنه لمبطل الدماء ، ومنطق العقائل نطق الإماء . قال الملك : إلام يدعو يا عفيراء ؟ قالت : إلى صلاة وصيام ، وصلة أرحام ، وكسر أصنام ، وتعطيل أزلام ، واجتناب آثام . قال الملك : يا عفيراء ، من قومه ؟ قالت : مضر بن نزار ، ولهم منه نقع مثار ، يتجلَّى عن ذبح وإسار ، قال : يا عفيراء : إذا ذبح قومه فمن أعضاده ؟ قالت : أعضاده غطاريف يمانون ، طائرهم به ميمون ، يعزبهم فيعزّون « 3 » ، ويدمّث بهم الحزون ، فإلى نصره يعتزون ، فأطرق
--> « 1 » في الأصل : « قالت : الزوابع » . « 2 » في الأصل : « ومنزل العماء » ، والذي أثبت عن تاريخ الخميس 1 : 29 . « 3 » في تاريخ الخميس : « يغزوبهم فيغزون » .