النويري

156

نهاية الأرب في فنون الأدب

والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون ، قال : أحقّ ما تخبرني ؟ قال : نعم ، والشّفق والغسق ، والفلق إذا اتّسق ؛ إن ما أنبأتك به لحقّ . ثم قدم عليه شقّ فقال له كقوله لسطيح ، وكتمه ما قال سطيح ، لينظر أيتّفقان أم يختلفان ؟ فقال « 1 » : نعم ، رأيت حممة « 2 » ، خرجت من ظلمة ، فوقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت منها كل ذات نسمة . فلما قال ذلك عرف أنهما قد اتّففا ، وأن قولهما واحد ، فقال له الملك : ما أخطأت ياشقّ منها شيئا ، فما عندك في تأويلها ؟ فقال : أحلف بما بين الحرّتين من إنسان ، لينزلنّ أرضكم السودان ، فليغلبنّ على كلّ طفلة « 3 » البنان ، وليملكنّ ما بين أبين إلى نجران ، فقال له الملك : وأبيك ياشقّ ، إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ قال : لا . بل بعده بزمان ، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذوشان ، ويذيقهم أشدّ الهوان ، قال : ومن هذا العظيم الشان ؟ قال : غلام ليس بدنىّ « 4 » ولا مدنّ « 5 » يخرج عليهم من بيت ذي يزن ، قال : أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع برسول مرسل ، يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل ، قال : وما يوم الفصل ؟ قال : يوم تجزى فيه الولاة ، يدعى فيه من السماء بدعوات ، يسمع فيها الأحياء والأموات ، ويجمع فيها الناس للميقات ، يكون فيه لمن اتّقى الفوز والخيرات ، قال : أحقّ ما تقول ؟ قال : إي وربّ السماء والأرض ، وما بينهما من رفع وخفض ، إنّ ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض « 6 » ، قال : فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا ، فجهّز بنيه وأهل بيته

--> « 1 » في الأصل : « قال » . « 2 » في دلائل أبى نعيم ص 87 : « جمجمة » تصحيف . « 3 » الطفلة : الناعمة الرخصة . « 4 » الدنىّ : المقصر في الأمور أو الذي يتبع خسيسها . « 5 » المدني : الذي جمع الضعف مع الدناءة . وانظر الروض الأنف 1 : 19 . « 6 » الأمض : الشك أو الباطل . خشنى 1 : 8 . وانظر ابن هشام 1 : 19 .