النويري
149
نهاية الأرب في فنون الأدب
فمن ذلك ما روى « 1 » أن صفية بنت حيىّ بن أخطب قالت : كنت أحبّ الناس إلى أبى ، وكان عمى أشدّ حبّا لي ، فأتيا النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم بقباء ، ثم رجعا من عنده ثقيلين لا يلتفتان نحوى ، ولا ينظران إلىّ ؛ فسمعت عمّى يقول لأبى : هل تعرفه ؟ قال : نعم . قال فما ذا عندك فيه ؟ قال : عداوته إلى آخر الدّهر ، قال عمى لأبى : أنشدك اللَّه أن تطيعنى يأخى في هذا ، ثم اعصنى فيما سواه ، هلَّم نتبعه ، فقال أبى : لا ؛ واللَّه لا أراك له عدوّا ، فقال عمى : إنك تهلكنا ، وتهلك نفسك ، إن هذا نبىّ السّيف ، وجعل عمى يكلَّمه وهو يأبى إلا كلامه الأوّل ، قالت صفية : فلما كان الليل ، وجدت نسوة من بنى النّضير جالسات يقلن : واللَّه ما أحسن حيىّ ابن أخطب بخلاف أخيه ، إنا لنعلم أن هذا نبىّ مذكور في الكتب ، وقالت عجوز منهنّ : سمعت أبي يقول لإخوتى : إن نبيا من العرب يقال له أحمد ، مولده بمكة ، ودار هجرته يثرب ، وهو خير الأنبياء ، فإن خرج وأنتم أحياء ، فاتّبعوه ؛ قالت صفية : وإذا هن كلهنّ يزرين على أبى ، ويتعتّبن عليه فعله . ومنه ما قاله كعب بن عمرو لبنى قريظة عند حصارهم . وسنذكر ذلك إن شاء اللَّه في الغزوات ، وقد تقدّم خبر بحيرا ، ونسطور ، فلا فائدة في إعادته هنا . وأما من أظهر صحفا كانت عنده فيها صريح ذكره صلى اللَّه عليه وسلم ، فمن ذلك ما روى أن رجلا أتى النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم بورقة ورثها عن أبيه عن جدّه ، وذكر أن سلفه كانوا يتوارثونها على وجه الدهر ، فإذا فيها : « اسم اللَّه وقوله الحق ، وقول الظالمين في تبار ، هذا ذكر لأمّة تأتى في آخر الزّمان ، يأتزرون على أوساطهم ، ويغسلون أطرافهم ، ويخوضون البحر إلى أعدائهم ، فيهم صلاة
--> « 1 » روى ابن هشام هذا الخبر بمعناه مختصرا في السيرة 2 : 165 .