النويري

134

نهاية الأرب في فنون الأدب

فلم يأكل . قال : قلت في نفسي : هذه واحدة ، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا ، وتحوّل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى المدينة ، ثم جئته به ، فقلت : إني قد رأيتك لا تأكل الصّدقة ، وهذه هدية أكرمتك بها ، قال : فأكل منها ، وأمر أصحابه فأكلوا معه ، قال : قلت في نفسي : هاتان ثنتان . قال : ثم جئت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وهو ببقيع الغرقد « 1 » قد تبع جنازة رجل من أصحابه ، علىّ شملتان لي ، وهو جالس في أصحابه ، فسلَّمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي ، فلما رآني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم استدبرته ، عرف أنى أستثبت من شئ وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبّله وأبكى ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : تحوّل ! فتحولت فجلست بين يديه ، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس ؛ فأعجب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه . ثم شغل سلمان الرّق حتى فاته مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بدر وأحد . قال سلمان : ثم قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : كاتب يا سلمان ، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير ، يعنى الآبار الصّغار ، وأربعين أوقية ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لأصحابه : أعينوا أخاكم ، فأعانونى بالنّخل ؛ الرجل بثلاثين ودية « 2 » ، والرّجل بعشرين ودية ، والرجل بخمس عشرة ودية ، والرجل بعشر ؛ يعين الرجل بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : اذهب يا سلمان ففقّر « 3 » لها ، فإذا فرغت فأتني ، أكن أنا

--> « 1 » بقيع الغرقد : مقبرة أهل المدينة . « 2 » الودىّ : صغار النخل واحدتها ودية . « 3 » فقر لها : أي احفر لها .