النويري

131

نهاية الأرب في فنون الأدب

إلى بلادهم ، فآذنوني بهم ، فلما أرادوا الترجعة أخبروني بهم ، فألقيت الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام ، فلما قدمتها قلت : من أفضل أهل هذا الدين علما ؟ قالوا الأسقفّ في الكنيسة ، فجئته فقلت : إني رغبت في هذا الدين ، وأحببت أن أكون معك وأخدمك وكنيستك ، وأتعلَّم منك ، وأصلَّى معك ، قال : ادخل ، فدخلت معه ، فكان رجل سوء ، يأمرهم بالصّدقة ويرغَّبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق ، قال : وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ، ثم مات واجتمعت له النّصارى ليدفنوه فقلت لهم : إن هذا رجل سوء ، يأمركم بالصّدقة ويرغَّبكم فيها ، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ، ولم يعط المساكين منها شيئا ، فقالوا لي : وما علمك بذلك ؟ قلت : أنا أدلَّكم على كنزه ، قالوا : فدلَّنا عليه ، فأريتهم موضعه ، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا ، فلما رأوها قالوا : واللَّه لا ندفنه أبدا ، فصلبوه ورجموه بالحجارة ، وجاؤا برجل آخر فجعلوه مكانه . قال : يقول سلمان : فما رأيت رجلا لا يصلَّى الخمس أرى أنه أفضل منه ، وأزهد في الدنيا ، ولا أرغب في الآخرة ، ولا أدأب ليلا ونهارا منه ، قال : فأحببته حبا لم أحبّه شيئا قبله ، فأقمت معه زمانا ، ثم حضرته الوفاة فقلت له : يا فلان إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبّه شيئا قبلك ، وقد حضرك ما ترى من أمر اللَّه ، فإلى من توصى بي وبم تأمرني ؟ قال : أي بنىّ ، واللَّه ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه ، لقد هلك الناس ، وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه ، إلا رجلا بالموصل ، وهو فلان ، وهو على ما كنت عليه ، فالحق به . قال : فلما مات وغيّب لحقت بصاحب الموصل فقلت له : يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك ، وأخبرني أنك على أمره ، فقال لي : أقم عندي ، فأقمت عنده